تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الثلق من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”

المنعقدة بتاريخ 19 أيار/مايو 2026                        في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة

مؤسسة حَقّي

انعقدت في 19 أيار/مايو 2026 الجلسة الثالثة من محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ضمن القضية المرتبطة بالانتهاكات التي شهدتها محافظة درعا خلال الأشهر الأولى من عام 2011. وتميزت هذه الجلسة عن سابقتيها بانتقال المحكمة بصورة أوسع إلى مناقشة الوقائع المنسوبة إلى المتهم ومواجهته بإفادات وشهادات ومواد واردة في ملف القضية.

وجاءت الجلسة بعد مرحلتين إجرائيتين سابقتين خُصصتا لتثبيت أطراف الدعوى واتخاذ الإجراءات المرتبطة بالمتهمين الغائبين وبدء استجواب عاطف نجيب. أما الجلسة الثالثة، فقد اتجهت بصورة أوضح إلى اختبار رواية المتهم ومقارنتها بما ورد في أقوال الشهود والمدعين وبعض الوثائق والمواد المرئية المقدمة ضمن الملف.

بدأت إجراءات المحاكمة قرابة الساعة الحادية عشرة صباحًا، بعد دخول المتهم عاطف نجيب إلى قاعة المحكمة وحضور محاميه، ثم دخول هيئة المحكمة وبدء الجلسة رسميًا.

ولوحظ خلال هذه الجلسة تضييق نطاق الحضور الإعلامي مقارنة بالجلستين السابقتين، إذ لم يُتح لوسائل الإعلام العامة متابعة كامل مجريات الاستجواب، بينما استمر حضور عدد من المراقبين القانونيين والحقوقيين. وارتبط ذلك، وفق المعلومات المنشورة عن الجلسة، بطبيعة بعض الإفادات والوثائق وبالحاجة إلى حماية بيانات شهود ومدعين قد يواجهون مخاطر في حال كشف هوياتهم أو تفاصيل شهاداتهم على نطاق واسع.

وفي مستهل الاستجواب، سألت المحكمة المتهم عما إذا كان لا يزال متمسكًا بالأقوال التي سبق أن أدلى بها، فأكد ذلك. ومن ثم بدأت سلسلة من الأسئلة المتعلقة بطبيعة عمل الأجهزة الأمنية في درعا خلال آذار/مارس 2011، والاجتماعات التي كانت تعقد آنذاك، ومسار انتقال القرارات والتعليمات بين الأجهزة المحلية والقيادات الموجودة في دمشق.

وتناولت المحكمة الاجتماعات الأمنية التي كانت تعقد في المحافظة، ومكان انعقادها، وما إذا كانت تجري بموجب محاضر رسمية. وشرح عاطف نجيب أن اجتماعات أمنية كانت تعقد بصورة دورية، ثم أصبحت أكثر طابعًا طارئًا مع تصاعد الأحداث، مشيرًا إلى أن التوثيق الكتابي للاجتماعات لم يستمر بالصورة المعتادة بعد اشتداد الاحتجاجات.

كما استجوبته المحكمة بشأن خطة أمنية قيل إنها وُضعت للتعامل مع متظاهرين كانوا يتجهون من ريف المحافظة نحو مدينة درعا. وتناول النقاش تواصله مع هشام بختيار، الذي كان يشغل آنذاك موقعًا قياديًا في مكتب الأمن القومي، ومدى علمه بخطة تتضمن اعتراض المتظاهرين قبل وصولهم إلى المدينة.

وخلال هذا الجزء من الاستجواب، أقر المتهم بوجود نقاش يتعلق بخطة أمنية لمواجهة المتظاهرين، لكنه نفى موافقته عليها أو المشاركة في تنفيذها، وأكد أنه اعترض على الطريقة المقترحة للتعامل مع التجمعات.

وسعت المحكمة إلى معرفة سبب طرح هذه الخطة عليه بشكل مباشر، والجهات التي شاركت في إعدادها أو تنفيذها، وما إذا كان قد نقل اعتراضه أو معلوماته إلى قيادته المركزية. ورد المتهم بأن خلافات كانت قائمة بين عدد من الأجهزة الأمنية حول كيفية التعامل مع التطورات، وتمسك بأنه لم يصدر أوامر بإطلاق النار ولم يشارك في عملية إطلاق النار على المتظاهرين.

وتوسعت المحكمة بعد ذلك في بحث موقع المتهم داخل المنظومة الأمنية في المحافظة، وطبيعة علاقته ببقية رؤساء الأجهزة الأمنية، ومدى امتلاكه صلاحيات تؤثر في القرارات الميدانية. واستمر عاطف نجيب في التأكيد على أن الأجهزة الأمنية لم تكن تخضع له بصورة مباشرة، وأن كل فرع كان يتبع قيادته المركزية في دمشق.

وفي مرحلة لاحقة، بدأت المحكمة بمواجهة المتهم بإفادات عدد من الشهود والمدعين.

وتضمنت إحدى الإفادات رواية لشخص قال إنه شاهد عاطف نجيب بالقرب من موقع شهد تجمعًا للمتظاهرين، وإن إطلاق النار بدأ بعد وصولهم إلى المنطقة. كما تضمنت الإفادة اتهامًا للمتهم بالمشاركة بصورة مباشرة في إطلاق النار.

ونفى عاطف نجيب وجوده في المكان على النحو الوارد في الشهادة، وأكد أنه كان في مقر فرع الأمن السياسي خلال الوقت المشار إليه، كما رفض الاتهام المتعلق باستخدامه السلاح ضد المتظاهرين.

وعرضت المحكمة إفادات أخرى تحدثت عن وجود المتهم في مواقع شهدت عمليات أمنية وعن وجود عناصر تابعين للأمن السياسي ضمن القوات المنتشرة هناك. وواصل المتهم نفي هذه الروايات، معتبرًا أن بعض الوقائع التي تنسب إلى فرعه قد تكون من تنفيذ أجهزة أمنية أخرى.

كما تضمنت الشهادات المعروضة أمام المحكمة اتهامات تتعلق بإصدار تعليمات بإطلاق النار على متظاهرين قادمين من مناطق ريفية إلى مدينة درعا. وأنكر المتهم إصدار مثل هذه الأوامر أو إعطاء تعليمات تسمح باستخدام الرصاص الحي ضد المدنيين.

وتناولت المحكمة أيضًا مسألة القناصة الذين قيل إنهم تمركزوا فوق عدد من المباني خلال الأحداث. وسألت المتهم عن مدى ارتباطهم بالأمن السياسي أو صدور أوامر من فرعه بنشرهم. ونفى عاطف نجيب ذلك، مؤكدًا عدم صدور تعليمات منه باستخدام القناصة.

ومن المسائل التي حظيت باهتمام المحكمة أيضًا تحديد سلسلة اتخاذ القرار الأمني. فقد جرى سؤال المتهم عن طبيعة التواصل بين اللجنة الأمنية في درعا وبين السلطات المركزية في دمشق، وعن الجهات التي كان يمكن أن تصدر أوامر عليا للأجهزة الأمنية.

وذكر المتهم أن قنوات التواصل مع دمشق كانت تمر عبر اللجنة الأمنية والقيادات المركزية، وأن بعض التعليمات الأمنية والعسكرية كانت تأتي من مستويات أعلى في الدولة.

وفي هذا السياق، سألته المحكمة عما إذا كان قد تواصل مباشرة مع بشار الأسد أو ماهر الأسد بشأن التطورات الجارية في درعا. ونفى حصول أي اتصال مباشر بينه وبينهما خلال الفترة موضوع الدعوى.

كما ناقشت المحكمة معه سبب عدم إبلاغ قيادة الأمن السياسي في دمشق ببعض الخطط أو التطورات التي قال إنه اعترض عليها. وقدم المتهم تفسيره بأن طبيعة الموقف لم تستدع، وفق تقديره في ذلك الوقت، إجراء اتصال خاص بشأنها.

وانتقل الاستجواب بعد ذلك إلى الأحداث المرتبطة بالمسجد العمري، والتي تشكل جزءًا رئيسيًا من ملف القضية.

وسألت المحكمة المتهم عن دوره المحتمل في العمليات الأمنية المرتبطة بالمسجد، وعن ادعاءات تفيد بمشاركته في تنظيم عمليات الاعتقال أو توزيع المحتجزين بين الفروع الأمنية المختلفة.

ونفى عاطف نجيب توليه مسؤولية توزيع المعتقلين أو إصدار تعليمات بهذا الشأن، كما نفى إشرافه المباشر على العملية الأمنية في محيط المسجد العمري.

وتناول الاستجواب كذلك مصير عدد من الأشخاص الذين اعتُقلوا خلال تلك الفترة، وما إذا كانت قيادة فرع الأمن السياسي قد تلقت معلومات عن أماكن احتجازهم أو مصيرهم. وقال المتهم إنه لا يمتلك معلومات محددة في هذا الشأن.

كما واجهته المحكمة بإفادة تتحدث عن استخدام أجهزة اتصال لاسلكية لنقل تعليمات أمنية، من بينها ادعاء يتعلق بإدخال أسلحة إلى المسجد العمري. ونفى المتهم هذه الرواية، وطعن في جزء من تفاصيلها التقنية، موضحًا أن الاتصالات في تلك المرحلة كانت تتم، بحسب أقواله، بوسائل أخرى.

وتطرقت المحكمة إلى حوادث أخرى وقعت في محيط دوار الكرك، من بينها إطلاق النار على متظاهرين وعلى مركبات إسعاف. وعند مواجهته بهذه الوقائع، نفى المتهم مسؤولية فرعه عنها، ونسب بعضها إلى أجهزة أخرى كانت موجودة في المنطقة.

كما عُرضت على المتهم إفادات تتعلق بوفاة أشخاص أثناء الاحتجاز أو بعد نقلهم إلى فروع أمنية. ومن بين تلك الإفادات ادعاء يتعلق بشخص قيل إنه توفي داخل فرع الأمن السياسي عقب توقيفه على خلفية ملاحقة أحد أفراد أسرته. ورفض المتهم هذه الرواية ونفى مسؤوليته عن الوفاة.

وخلال مناقشة موضوع المعتقلين، عاد النقاش إلى مسألة نقل المحتجزين بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وما إذا كان فرع الأمن السياسي الذي كان يرأسه المتهم قد شارك في هذه العملية. واستمر المتهم في نفي مسؤوليته المباشرة عن توزيع المعتقلين.

وسأل رئيس المحكمة المتهم كذلك عن معلوماته بشأن وجود مقابر جماعية في محافظة درعا أو معرفته بأماكن دفن أشخاص قتلوا خلال الأحداث. وأجاب بأنه لا يملك معلومات حول هذا الموضوع.

ومن النقاط المهمة التي ظهرت أثناء الاستجواب مناقشة ما إذا كانت بعض العمليات الأمنية قد جرى التخطيط لها مسبقًا. وأقر المتهم، في سياق إجاباته، بأن إحدى العمليات التي ناقشتها المحكمة لم تكن وليدة اللحظة، لكنه حافظ على موقفه القائل إنه لم يشارك شخصيًا في تنفيذها.

كما ناقشت المحكمة معه قدرة اللجنة أو الخلية الأمنية المحلية على اتخاذ قرارات عملياتية دون العودة في كل مرة إلى السلطات المركزية في دمشق، وبيّن المتهم أن بعض القرارات الميدانية كان من الممكن اتخاذها على المستوى المحلي.

وتطرقت الجلسة كذلك إلى آلية نقل المعلومات من درعا إلى العاصمة، وقال المتهم إن الجهات الأمنية المركزية كانت تتلقى إشعارات ومعلومات عن التطورات، وإنه نقل معلومات متعلقة ببعض الأحداث التي شهدتها المحافظة.

وفي جزء آخر من الجلسة، عرضت المحكمة على المتهم صورًا لضحايا ومصابين مرتبطة بوقائع القضية، وسألته عما إذا كان قد شاهد تلك الصور من قبل. وذكر أنها تُعرض عليه للمرة الأولى.

كما عرضت مواد مصورة تتعلق بادعاءات بوقوع أعمال تعذيب داخل أحد أماكن الاحتجاز، وجرى سؤال المتهم عن هوية الأشخاص الظاهرين في التسجيل وعن علاقتهم بالأمن السياسي. ونفى معرفته بالمحتجزين أو مشاركته في أفعال التعذيب.

وكانت قضية الأطفال الذين اعتُقلوا في درعا من أبرز المحاور التي تناولتها الجلسة.

فقد واجهت المحكمة المتهم بمعلومات تتعلق بمرور عدد من القاصرين عبر فرع الأمن السياسي خلال الإجراءات الأمنية التي سبقت اندلاع الاحتجاجات الواسعة. وبعد أسئلة متتابعة، أشار عاطف نجيب إلى وجود عدد محدود من الأطفال تعامل الفرع مع ملفاتهم في إطار إحالات بين الأجهزة والجهات المختصة، مع تأكيده أن الإجراءات القضائية المتعلقة بالقاصرين كانت من اختصاص جهات أخرى.

وعرضت المحكمة وثائق أو سجلات مرتبطة بعملية توقيف الأطفال وانتقالهم بين الجهات الأمنية، وسعت من خلالها إلى مقارنة المعلومات الواردة في الملف مع أقوال المتهم.

وتركز النقاش هنا على مدى اتساق نفي المتهم مسؤوليته عن اعتقال الأطفال مع وجود معلومات تشير إلى دخول بعضهم إلى فرع الأمن السياسي أو المرور عبره.

كما واجهت المحكمة عاطف نجيب بإفادات لأشخاص قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب خلال فترة احتجازهم، وإن المتهم كان حاضرًا في بعض مراحل الاستجواب أو الاعتداء.

وتضمنت بعض الإفادات مزاعم عن استخدام وسائل تعذيب جسدية قاسية أثناء الاحتجاز. وأنكر المتهم جميع هذه المزاعم، وتمسك بأن رئيس الفرع لا يتولى عادة إجراءات التحقيق المباشر مع الموقوفين.

كما ناقشت المحكمة شهادات تتعلق بمحاولات قام بها وجهاء وشخصيات دينية واجتماعية للتدخل بهدف الإفراج عن الأطفال المحتجزين، وما قيل عن طريقة تعامل المتهم معهم. ونفى عاطف نجيب أن يكون قد وجه إساءات أو تصرف بالطريقة المنسوبة إليه في بعض الإفادات.

وتناولت المحكمة كذلك الفترة التي بقي فيها المتهم في محافظة درعا بعد اتخاذ قرار بإنهاء مهمته أو نقله، وذلك للتحقق مما إذا كان لا يزال موجودًا في المدينة عند وقوع بعض الأحداث محل الاتهام.

واستمرت المحكمة في اختبار أقواله المتعلقة بتاريخ مغادرته ومقارنتها بما ورد في شهادات أشخاص قالوا إنهم شاهدوه في مواقع معينة بعد التاريخ الذي يقول إنه توقف فيه عن ممارسة مهامه.

كما سُئل عاطف نجيب عن أثر صلته العائلية ببشار الأسد في موقعه داخل الأجهزة الأمنية، وعن ادعاءات تفيد بأن هذه العلاقة كانت تمنحه نفوذًا يتجاوز منصبه الرسمي. ونفى المتهم ذلك، وقال إن علاقته العائلية لم تجعل الأجهزة الأخرى تابعة له أو خاضعة لأوامره.

وتناولت المحكمة واقعة أخرى تتعلق بعلاقته بوزير الداخلية آنذاك، وما إذا كان قد رفض الاستجابة لاستدعاء إلى دمشق، وهو ما نفاه المتهم.

وفي سياق البحث في خطوط الاتصال بين درعا والسلطات المركزية، سألت المحكمة مجددًا عن الطريقة التي كانت ترفع بها المعلومات والتقارير. وأوضح المتهم أن الوضع الأمني المتسارع أدى في بعض المراحل إلى الاعتماد على الاتصالات الشفهية أكثر من التقارير المكتوبة المنتظمة.

وعند مناقشة المسؤولية عن عملية المسجد العمري وحوادث إطلاق النار في محيطه، عاد المتهم إلى القول إن أجهزة أمنية متعددة كانت موجودة في المنطقة، ونسب بعض الوقائع إلى الأمن العسكري أو أمن الدولة أو المخابرات الجوية.

كما نفى مسؤولية فرع الأمن السياسي عن إطلاق النار على مركبات الإسعاف.

وفي واحدة من النقاط ذات الدلالة المهمة في الاستجواب، سألت المحكمة المتهم عن طبيعة المتظاهرين الذين تعرضوا لإطلاق النار، وما إذا كانوا يحملون السلاح. وأقر بأن المتظاهرين الذين تناولهم السؤال لم يكونوا مسلحين.

كما سُئل عن رؤيته الأوسع لطبيعة السياسة الأمنية التي اتُبعت في مواجهة الاحتجاجات، وما إذا كانت بعض الممارسات تعكس نهجًا أوسع في التعامل مع المعارضين. ولم تتضمن المعلومات المتاحة عن الجلسة إجابة تفصيلية منه على هذا السؤال.

وفي القسم الأخير من الاستجواب، انتقلت المحكمة إلى مناقشة الوضع المالي للمتهم ومصادر الأموال والممتلكات المنسوبة إليه.

وسُئل عاطف نجيب عن دخله خلال فترة الخدمة وعن العقارات والأراضي والممتلكات التي يمتلكها، ومدى تناسبها مع راتبه الوظيفي.

وذكر أن جزءًا من ممتلكاته يعود إلى الإرث العائلي، وأن لديه أصولًا وعقارات في عدد من المناطق.

كما ناقشته المحكمة في معلومات مرتبطة بامتلاك مركبات وأملاك إضافية، وبادعاءات عن استفادته من موقعه الأمني في تكوين ثروة لا تتناسب مع دخله الرسمي. ونفى المتهم ذلك.

وواجهته المحكمة كذلك بادعاءات تتعلق بالرشوة والابتزاز واستغلال النفوذ والاستيلاء على أراضٍ، بما في ذلك أراضٍ مرتبطة بجهات عامة أو دينية. وأنكر المتهم تلك الاتهامات جميعًا، وأكد أن ممتلكاته ذات مصادر مشروعة.

وفي ختام الجلسة، ثبتت المحكمة استمرار المتهم في إنكار الجزء الأكبر من الوقائع المنسوبة إليه، سواء المتعلقة بإطلاق النار أو التعذيب أو إصدار الأوامر أو إساءة استخدام السلطة.

وسأل رئيس المحكمة عاطف نجيب عما إذا كان يرى أنه مُنح فرصة كافية للدفاع عن نفسه والإجابة عن الأسئلة التي وُجهت إليه، فأجاب بالإيجاب.

وبعد استكمال هذا الجزء من الاستجواب، قررت المحكمة الانتقال في المراحل التالية إلى استكمال الإجراءات المتعلقة بالأدلة والشهود ومطالبات أطراف الدعوى ودفاع المتهم.

ورُفعت الجلسة قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرًا، وحددت المحكمة موعدًا لاحقًا لمتابعة النظر في القضية.

التقييم الحقوقي والقانوني

تكشف الجلسة الثالثة عن انتقال المحاكمة إلى مرحلة أكثر حساسية من الناحية الحقوقية، إذ لم تعد الإجراءات تقتصر على تثبيت الحضور أو عرض الإطار العام للاتهامات، وإنما بدأت المحكمة بفحص رواية المتهم في مواجهة شهادات ومواد يمكن أن يكون لها أثر مباشر في تحديد مسؤوليته الجنائية.

ومن المؤشرات الإيجابية أن المتهم كان حاضرًا مع محاميه، وأنه أُتيح له الرد بصورة متكررة على الإفادات والوقائع المعروضة عليه، سواء من خلال الإنكار أو تقديم تفسير مختلف أو نسبة المسؤولية إلى جهات أخرى.

غير أن تقييم فعالية حق الدفاع لا ينبغي أن يقوم فقط على قدرة المتهم على الإجابة داخل الجلسة، وإنما يتطلب أيضًا التأكد من حصول فريق الدفاع على نسخة كاملة من المواد المستخدمة في مواجهته، وعلى وقت كافٍ لدراستها، وعلى إمكانية مناقشة الشهود والطعن في الأدلة الفنية والوثائقية.

وتظهر الجلسة أن جانبًا معتبرًا من ملف القضية يستند إلى شهادات أشخاص يقولون إنهم شاهدوا المتهم في مواقع معينة أو تعرضوا لأفعال مباشرة منه أو من عناصر يعملون تحت سلطته.

وفي القضايا التي مضى على وقائعها سنوات طويلة، ينبغي للمحكمة أن تتعامل مع شهادات التعرف والذاكرة الشخصية بدرجة عالية من التدقيق، وأن تقارن كل شهادة بالأدلة المادية والوثائق والسجلات وشهادات الأشخاص الآخرين.

ولا يعني ذلك التقليل من القيمة الإثباتية لشهادات الضحايا أو الشهود، بل ضمان أن يكون الحكم النهائي قائمًا على تقييم شامل ومنهجي للأدلة وليس على قوة الانطباع الذي قد تتركه شهادة منفردة.

كما أن استخدام شهادات أشخاص محمية هوياتهم يستدعي إيجاد توازن دقيق بين حماية الشهود وحق الدفاع في مواجهة الأدلة.

فالحاجة إلى حماية شخص قد يواجه تهديدًا حقيقيًا يمكن أن تبرر حجب بعض البيانات الشخصية عن الجمهور، لكنها لا ينبغي أن تؤدي إلى حرمان الدفاع من المعلومات الضرورية لتقييم مصداقية الشهادة أو اختبارها بالوسائل القانونية المناسبة.

وفي هذا السياق، تثير القيود التي فُرضت على الحضور الإعلامي سؤالًا حول حدود علنية المحاكمة.

فمن المقبول وفق معايير المحاكمة العادلة تقييد العلنية في حالات محددة تتصل بحماية الشهود أو الحياة الخاصة أو سلامة الإجراءات، إلا أن هذه القيود يجب أن تبقى استثنائية، وأن ترتبط بسبب واضح ومحدد، وألا تمتد إلى ما يتجاوز الحاجة الفعلية للحماية.

ويمكن أن يشكل استمرار حضور مراقبين قانونيين وحقوقيين وسيلة مهمة لتعزيز الرقابة المستقلة عندما تُفرض قيود على التغطية الإعلامية العامة.

وتطرح الجلسة كذلك مسألة حياد المحكمة أثناء الاستجواب. فطبيعة النظام الإجرائي تمنح المحكمة دورًا نشطًا في مناقشة المتهم والأدلة واستجلاء الوقائع، إلا أن هذا الدور يجب أن يمارس دون لغة قد توحي بأن القناعة النهائية بشأن الإدانة تكونت قبل اكتمال مراحل الدفاع والمرافعات.

وتكتسب هذه الضمانة أهمية مضاعفة في قضية ذات حساسية سياسية واجتماعية مرتفعة، لأن استقلال القضاء يجب ألا يقتصر على الاستقلال الفعلي، وإنما ينبغي أن يظهر أيضًا بصورة واضحة للمتهمين والضحايا والرأي العام.

وتبين مجريات الجلسة ضرورة التمييز القانوني بين الأفعال التي يُدعى أن عاطف نجيب ارتكبها بنفسه وبين الأفعال التي تنسب إليه بسبب منصبه القيادي.

فادعاء إطلاق النار المباشر أو المشاركة في التعذيب يختلف من حيث عناصر الإثبات عن المسؤولية الناتجة عن إصدار الأوامر أو العلم بالانتهاكات أو السيطرة الفعلية على مرتكبيها.

ولهذا ينبغي أن يوضح أي حكم يصدر في القضية بصورة دقيقة الوقائع التي ثبتت بحق المتهم، ونمط المسؤولية القانونية المعتمد في كل منها، والأدلة التي استندت إليها المحكمة.

ولا يجوز اعتبار تولي رئاسة فرع أمني دليلًا كافيًا بذاته على المسؤولية الجنائية عن كل انتهاك ارتكبه أحد العاملين فيه، كما أن مجرد إنكار إصدار الأوامر لا ينفي المسؤولية إذا أثبتت الأدلة وجود سلطة فعلية أو علم بالانتهاكات أو مشاركة في القرارات.

ومن زاوية أخرى، تتضمن أقوال المتهم نفسها معلومات يمكن أن تكون ذات أهمية في فهم السياق العام، مثل إقراره بوجود خطط أمنية واجتماعات واتصالات مع دمشق، وقوله إن بعض المتظاهرين لم يكونوا مسلحين، وتأكيده أن قرارات ميدانية معينة كان يمكن اتخاذها محليًا.

ولا ينبغي قراءة هذه الأقوال كاعتراف تلقائي بارتكاب الجرائم، وإنما بوصفها عناصر يتعين وضعها في سياق الأدلة الكاملة التي ستفحصها المحكمة.

وتستحق الاتهامات المرتبطة باعتقال الأطفال وتعذيبهم عناية خاصة، نظرًا إلى طبيعة الضحايا وخطورة الأفعال المنسوبة إلى الأجهزة الأمنية.

ويجب أن تراعي المحكمة عند التعامل مع شهادات أشخاص كانوا أطفالًا وقت الوقائع الحاجة إلى الحماية من إعادة الصدمة أو الإيذاء، من دون أن يؤدي ذلك إلى الإخلال بحق الدفاع في فحص الأدلة ومناقشتها.

أما الأدلة المصورة والرقمية التي جرى عرضها خلال الجلسة، فينبغي ألا تُعامل بوصفها أدلة قائمة بذاتها بمجرد عرضها، بل يتعين التحقق من مصدرها وتاريخها وسلامتها التقنية وسلسلة حفظها وربطها بالوقائع والأشخاص محل القضية.

كما ينبغي منح الدفاع فرصة فعلية لفحص هذه المواد والاستعانة بخبرة فنية عند الحاجة.

وتثير مناقشة ثروة المتهم وممتلكاته مسألة أخرى تتعلق بحدود موضوع الدعوى.

فإذا كانت اتهامات الفساد أو الرشوة أو الاستيلاء على الممتلكات جزءًا من قرار الاتهام، فمن حق المحكمة بحثها، لكن يجب الفصل بينها وبين الجرائم المرتبطة بأحداث درعا وعدم استخدام الوضع المالي للمتهم كعنصر يوحي تلقائيًا بمسؤوليته عن الجرائم الأخرى.

ويظل التحدي القانوني الأوسع متعلقًا بكيفية توصيف الوقائع التي تعود إلى عام 2011 ضمن المنظومة القانونية السورية.

فالحديث عن جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يستلزم تحديد الأساس القانوني المستخدم، ومراعاة مبدأ الشرعية وعدم رجعية النصوص العقابية، وبيان العناصر التي تجعل الوقائع تدخل ضمن إحدى فئات الجرائم الدولية.

وبصورة خاصة، فإن وصف فعل بأنه جريمة حرب يتطلب وجود نزاع مسلح ذي صلة بالفعل وقت ارتكابه، وهي مسألة ينبغي إثباتها قانونيًا وتاريخيًا لا افتراضها انطلاقًا من طبيعة الانتهاك وحده.

أما الجرائم ضد الإنسانية فلا تشترط وجود نزاع مسلح، لكنها تتطلب إثبات أن الأفعال ارتكبت في سياق هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، إضافة إلى العناصر الخاصة بكل فعل والمسؤولية الفردية للمتهم.

التوصيات

في ضوء مجريات الجلسة الثالثة، يوصى بضمان وصول دفاع المتهم إلى جميع الإفادات والوثائق والصور ومقاطع الفيديو التي تستخدم في مواجهته، وإتاحة وقت مناسب لدراستها والرد عليها.

كما ينبغي تمكين الدفاع من مناقشة شهود الإثبات بصورة فعالة، مع اعتماد ترتيبات حماية خاصة عندما توجد مخاطر جدية على سلامة الشهود، دون أن تمس هذه الترتيبات جوهر حق المواجهة.

ويُستحسن أن تعتمد المحكمة قواعد مكتوبة وواضحة بشأن حماية الشهود والضحايا والتصوير الإعلامي وحجب البيانات الشخصية، بحيث تكون الإجراءات متوقعة ومتسقة ولا تتغير من جلسة إلى أخرى دون أسباب معلنة.

كما ينبغي أن تكون أي قيود على علنية الجلسات محدودة ومسببة، وأن يُتاح عند الضرورة نشر ملخص قضائي رسمي للجزء الذي تقرر عدم فتحه بالكامل أمام الجمهور، بعد إزالة البيانات التي تمس سلامة الأشخاص.

ويُوصى بأن تراعي هيئة المحكمة في صياغة الأسئلة والملاحظات أثناء المحاكمة مبدأ قرينة البراءة، وألا تتضمن اللغة المستخدمة ما قد يفهم منه سبق تكوين قناعة نهائية بشأن المسؤولية قبل اكتمال تقديم الأدلة والدفاع والمرافعات.

كما ينبغي أن يميز الحكم بصورة واضحة بين المسؤولية الجنائية المباشرة والمسؤولية الناتجة عن إصدار الأوامر أو السيطرة الفعلية أو العلم بالانتهاكات، وأن يحدد الأدلة القانونية التي تثبت كل صورة من صور المسؤولية.

وبالنسبة للأدلة الرقمية والمرئية، ينبغي اعتماد معايير واضحة للتحقق من صحتها ومصدرها وسلسلة حفظها، وإتاحة الفرصة أمام الدفاع للطعن فيها فنيًا وقانونيًا.

كما يوصى بتوفير تدابير خاصة لحماية الضحايا والشهود الذين كانوا قاصرين وقت الأحداث، بما يمنع إعادة إيذائهم أثناء الإجراءات ويحفظ كرامتهم وخصوصيتهم.

وفي الجانب القانوني، ينبغي على المحكمة أن تقدم تعليلًا مفصلًا للأساس الذي ستعتمده في توصيف الجرائم الدولية، وأن توضح بصورة صريحة كيفية التوفيق بين قواعد القانون السوري ومبدأ الشرعية والقواعد الدولية ذات الصلة.

وعلى المستوى التشريعي الأوسع، تؤكد هذه القضية الحاجة إلى تطوير التشريع الجنائي السوري وإدخال تعريفات واضحة للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإخفاء القسري وغيرها من الجرائم الدولية، إلى جانب تحديد أنماط المسؤولية القيادية بصورة دقيقة.

وفي المحصلة، أظهرت الجلسة الثالثة أن المحاكمة دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، بدأت فيها المحكمة اختبار روايات الأطراف ومقارنة أقوال المتهم بالشهادات والمواد الموجودة في الملف.

وتمنح هذه المرحلة فرصة حقيقية لإظهار قدرة القضاء على التعامل مع انتهاكات جسيمة ضمن إجراءات تستند إلى الأدلة والقانون، لكنها في الوقت ذاته تضع المحكمة أمام اختبار صعب يتعلق بالحياد، وقرينة البراءة، وحماية الشهود، وحقوق الدفاع، وقوة الأدلة، والتكييف القانوني السليم للوقائع.

ولا يمكن قياس نجاح هذه المحاكمة بالنتيجة النهائية وحدها، وإنما بمدى قدرتها على تقديم نموذج قضائي يختلف عن أنماط العدالة الانتقائية أو المسيسة، ويؤكد أن مساءلة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة يمكن أن تتم دون التضحية بحقوق المتهمين أو ضمانات المحاكمة العادلة.

إعداد وتقديم الخبير القانوني المعتصم الكيلاني