تقرير مراقبة حقوقي حول الجلستين الأولى والثانية لمحاكمة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث السويداء أمام محكمة الجنايات العسكرية بدمشق
مؤسسة حقي
الملخص التنفيذي
يستعرض تقريرنا مجريات الجلستين الأولى والثانية للمحاكمات المتعلقة بأحداث السويداء، اللتين عقدتا أمام محكمة الجنايات العسكرية في دمشق خلال شهر تموز/يوليو ٢٠٢٦، في إطار متابعة مدى التزام السلطات القضائية السورية بالمعايير الوطنية والدولية للمحاكمة العادلة. وتأتي أهمية هذه المحاكمات من كونها تمثل أولى الإجراءات القضائية العلنية التي باشرتها السلطات السورية عقب انتهاء أعمال اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث السويداء وإحالة عدد من الملفات إلى القضاء، بما يجعلها اختباراً عملياً لمدى قدرة النظام القضائي على ضمان المساءلة القانونية عن الانتهاكات الجسيمة التي رافقت تلك الأحداث، وفي الوقت ذاته احترام حقوق المتهمين والضحايا على السواء.
ويهدف التقرير إلى تقييم الإجراءات القضائية التي أمكن رصدها خلال الجلستين ومدى احترام المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة، وعلى رأسها استقلال المحكمة وحيادها، وعلنية الجلسات، وحق الدفاع، وقرينة البراءة، والمساواة بين أطراف الدعوى، وحقوق الضحايا، وضمانات التعامل مع الأدلة، ولا سيما الأدلة الرقمية التي أصبحت تحتل مساحة متزايدة في القضايا ذات الطابع الجماعي.
وتظهر الوقائع المتاحة أن انعقاد الجلستين بصورة علنية يشكل خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز مبدأ الشفافية القضائية، ولا سيما في قضية تحظى باهتمام واسع من الرأي العام المحلي والدولي. غير أن المعلومات التي أتيحت للرأي العام بقيت مقتضبة، الأمر الذي حد من إمكانية إجراء تقييم شامل لجميع ضمانات المحاكمة العادلة. كما أن استمرار نظر القضية أمام القضاء العسكري يثير تساؤلات قانونية تتعلق بمدى توافق هذا الاختصاص مع المعايير الدولية، خاصة إذا شملت المحاكمات أشخاصاً مدنيين، وهو ما يستوجب من المحكمة تقديم تسبيب واضح يبرر اختصاصها، بما ينسجم مع مبدأ القاضي الطبيعي وضمانات استقلال القضاء.
وانطلاقاً من ذلك، يخلص التقرير إلى أن المحاكمات تمثل بداية مهمة لمسار المساءلة عن أحداث السويداء، إلا أن نجاح هذا المسار لن يقاس بمجرد انعقاد الجلسات أو صدور الأحكام، وإنما بمدى احترام الإجراءات القضائية للمعايير الدولية، وبقدرة السلطات القضائية على توفير قدر كاف من الشفافية يسمح للمجتمع وللضحايا ولمؤسسات الرقابة المستقلة بمتابعة سير العدالة وتعزيز الثقة في نتائجها.
المنهجية
أُعد هذا التقرير وفق منهجية تقييم سلامة الإجراءات القضائية ومدى توافقها مع المعايير القانونية الوطنية والدولية، دون التعليق على المسؤولية الجنائية للمتهمين أو على تقدير الأدلة التي تبقى من اختصاص المحكمة وحدها. واستندت عملية الرصد إلى مراجعة البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات الحكومية السورية، والتصريحات العلنية للجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث السويداء، والتغطيات الإعلامية التي تناولت الجلستين، إلى جانب تحليل الإطار القانوني الوطني والمعايير الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها المادة (١٤) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتعليق العام رقم (32) للجنة حقوق الإنسان، والمبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، والمبادئ التوجيهية المتعلقة بدور أعضاء النيابة العامة والمحامين.
ورغم أن السلطات أعلنت عقد الجلستين بصورة علنية، فإن إمكانية الوصول إلى تفاصيل الإجراءات بقيت محدودة، إذ لم تُنشر محاضر الجلسات أو القرارات الإجرائية أو المذكرات المقدمة من أطراف الدعوى، الأمر الذي جعل التقييم ينحصر في الإجراءات التي أمكن التحقق منها بصورة موضوعية. وقد روعي في إعداد التقرير عدم استخلاص نتائج لا تسندها المعلومات المتاحة، كما جرى التمييز بين الوقائع المؤكدة والاستنتاجات القانونية التي تستند إلى تحليل تلك الوقائع في ضوء المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
الخلفية العامة
شهدت محافظة السويداء خلال شهر تموز/يوليو ٢٠٢٥ أعمال عنف واسعة النطاق اتسمت بتعدد أطرافها وتشابكها، ورافقتها انتهاكات خطيرة مست الحق في الحياة والسلامة الجسدية وحرمة الممتلكات، وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح آلاف المدنيين. وقد أثارت تلك الأحداث اهتماماً محلياً ودولياً واسعاً، في ظل تعدد الروايات بشأن المسؤولية عن الانتهاكات، وورود مزاعم بارتكاب عمليات قتل خارج نطاق القانون، واحتجاز تعسفي، وإخفاء قسري، واعتداءات على الممتلكات، واهانة الكرامة الانسانية، وانتهاكات للقانون الدولي الإنساني.
وفي أعقاب انتهاء العمليات العسكرية، أعلنت السلطات السورية تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في أحداث السويداء، أوكلت إليها مهمة جمع الأدلة وسماع الشهود وتحديد المسؤوليات وإحالة الملفات التي تتوافر بشأنها أدلة كافية إلى الجهات القضائية المختصة. وبعد انتهاء اللجنة من أعمالها، أعلنت إحالة عدد من الملفات إلى القضاء العسكري، الذي باشر النظر في أولى القضايا المعروضة عليه خلال شهر تموز/يوليو ٢٠٢٦.
وتحظى هذه المحاكمات بأهمية خاصة، ليس فقط لارتباطها بأحداث خلفت آثاراً إنسانية واسعة، وإنما لأنها تمثل اختباراً لقدرة القضاء السوري على إدارة قضايا ذات حساسية عالية وفقاً لمبادئ سيادة القانون، وبما يحقق التوازن بين حق المجتمع في المساءلة، وحق الضحايا في الإنصاف، وحق المتهمين في محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية. ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية بالنظر إلى أن المعايير الدولية تؤكد أن فعالية العدالة لا تقاس بسرعة إصدار الأحكام، وإنما بمدى احترام الإجراءات القانونية منذ اللحظة الأولى للمحاكمة وحتى صدور الحكم النهائي.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة اختصاص القضاء العسكري بالنظر في هذه القضايا باعتبارها إحدى المسائل القانونية التي تستحق المتابعة. فالقانون الدولي لا يحظر وجود المحاكم العسكرية بصورة مطلقة، إلا أنه يشدد على أن اختصاصها يجب أن يكون محدداً وضرورياً، وألا يؤدي إلى الانتقاص من الضمانات القضائية المقررة للمتقاضين أو إلى المساس بمبدأ القاضي الطبيعي، ولا سيما إذا كان من بين المتهمين أشخاص مدنيون. ومن ثم، فإن تقييم عدالة هذه المحاكمات لا ينفصل عن تقييم مدى تبرير اللجوء إلى القضاء العسكري في ضوء طبيعة الأفعال المنسوبة إلى المتهمين وصفاتهم القانونية.
مراقبة الجلسة الأولى
عقدت محكمة الجنايات العسكرية في دمشق أولى جلساتها للنظر في القضايا المحالة على خلفية أحداث السويداء في الأول من تموز/يوليو ٢٠٢٦، في خطوة وصفتها السلطات بأنها بداية المرحلة القضائية لمسار المساءلة الذي أعقب انتهاء أعمال لجنة التحقيق الوطنية. وأكدت الجهات الرسمية حضور المتهمين ووكلائهم القانونيين أمام المحكمة، كما أعلنت تأجيل النظر في الدعوى إلى جلسة لاحقة لاستكمال الإجراءات القضائية.
ومن خلال متابعة الوقائع التي أمكن التحقق منها، يلاحظ أن افتتاح المحاكمة بصورة علنية يمثل تطوراً مهماً مقارنة بطبيعة المحاكمات التي جرت في ملفات مشابهة خلال السنوات السابقة، إذ ينسجم مبدأ العلنية مع أحد أهم ضمانات المحاكمة العادلة، بوصفه وسيلة لتعزيز ثقة المجتمع في القضاء، وتمكين الرأي العام من مراقبة حسن سير العدالة. غير أن مجرد الإعلان عن علنية الجلسة لا يكفي، من منظور المعايير الدولية، لإثبات تحقق هذا الضمان بصورة كاملة، إذ يتطلب الأمر أن تكون إمكانية حضور الجلسات متاحة بصورة فعلية، وأن تصدر المحكمة بيانات توضح سير الإجراءات والقرارات الإجرائية الأساسية، بما يحقق التوازن بين مقتضيات الشفافية ومتطلبات حماية التحقيق وحقوق الأطراف.
كما أظهرت المتابعة أن المحكمة باشرت نظر القضية بحضور محامي الدفاع، وهو ما يشكل مؤشراً إيجابياً على احترام حق المتهمين في الاستعانة بمحام. إلا أن المعايير الدولية لا تكتفي بمجرد الحضور الشكلي للمحامي، وإنما تشترط أن تتاح له فرصة كافية للاطلاع على ملف الدعوى، والتواصل بحرية وسرية مع موكله، وإعداد استراتيجية الدفاع، وتقديم الطلبات والدفوع القانونية دون قيود غير مبررة. ونظراً إلى عدم صدور معلومات تفصيلية حول هذه الجوانب، تعذر إجراء تقييم نهائي لمدى احترام هذا الحق خلال الجلسة الأولى.
وتبين أيضاً أن البيانات الرسمية المتعلقة بالجلسة اقتصرت على عرض موجز للإجراءات، دون أن تتناول بصورة تفصيلية طبيعة التهم المنظورة أو الأساس القانوني لاختصاص المحكمة أو الطلبات التي تقدم بها الدفاع أو النيابة. ورغم أن القانون لا يلزم بنشر جميع تفاصيل المحاكمة، فإن نشر ملخصات إجرائية أكثر تفصيلاً من شأنه أن يعزز الشفافية، ويتيح للضحايا والرأي العام والمنظمات الحقوقية متابعة تطور الدعوى وتقييم مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة، خاصة في القضايا التي تحظى باهتمام عام كبير.
وبوجه عام، تعكس الجلسة الأولى انتقال القضية من مرحلة التحقيق إلى مرحلة التقاضي، وهو انتقال يمثل خطوة أساسية في مسار المساءلة، إلا أن تقييم مدى توافق هذا المسار مع الالتزامات الدولية يظل رهناً بما ستكشف عنه الجلسات اللاحقة من ممارسات قضائية، ومدى التزام المحكمة بتوفير ضمانات الدفاع، وإدارة الأدلة، واحترام حقوق جميع أطراف الدعوى، وإصدار قرارات معللة يمكن إخضاعها للرقابة القانونية والمجتمعية.
مراقبة الجلسة الثانية
عقدت محكمة الجنايات العسكرية بدمشق جلستها الثانية للنظر في القضايا المتعلقة بأحداث السويداء بتاريخ ١٣ تموز/يوليو 2026، في إطار استمرار نظر المحكمة في الملفات التي أحالتها اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق. وأشارت البيانات الرسمية إلى استمرار حضور المتهمين ووكلائهم القانونيين، كما أكدت اللجنة الوطنية أن دورها في هذه المرحلة يقتصر على التعاون مع السلطة القضائية وتقديم ما تطلبه المحكمة من وثائق أو أدلة، مع التأكيد على استقلال القضاء في إدارة المحاكمة وإصدار الأحكام.
وأظهرت متابعة مجريات الجلسة أن المحكمة انتقلت من مرحلة افتتاح الدعوى إلى مباشرة الإجراءات الموضوعية، وهو ما يعكس تطوراً طبيعياً في سير المحاكمة. وقد استمعت المحكمة إلى بعض أقوال المتهمين وناقشت جانباً من الأدلة المقدمة في الدعوى، إلا أن عدم نشر محضر رسمي للجلسة أو ملخص قضائي مفصل حال دون التحقق من جميع تفاصيل هذه الإجراءات أو تقييمها بصورة كاملة. وفي هذا السياق، يبرز مرة أخرى أثر محدودية المعلومات المتاحة على قدرة المراقبة الحقوقية في تقييم مدى احترام الضمانات الإجرائية، إذ إن الرقابة المستقلة على المحاكمات تعتمد بصورة أساسية على إتاحة المعلومات الأساسية المتعلقة بسير الدعوى.
ومن منظور حقوق الإنسان، فإن انتقال المحكمة إلى مناقشة الأدلة يفرض عليها التزاماً مضاعفاً بضمان مبدأ المساواة بين الخصوم، بحيث يتمكن الدفاع من الاطلاع على الأدلة المقدمة ضده، ومناقشتها، والطعن في مشروعيتها أو في قيمتها الإثباتية، وتقديم أدلة مضادة عند الاقتضاء. ويكتسب هذا الالتزام أهمية خاصة في القضايا المرتبطة بالنزاعات المسلحة والانتهاكات الجماعية، حيث تعتمد جهات التحقيق في كثير من الأحيان على الصور والمقاطع المصورة والبيانات الرقمية، وهي أدلة تستوجب التحقق من مصدرها وسلامة حفظها وعدم تعرضها للتعديل أو الاجتزاء قبل الاعتماد عليها في تكوين القناعة القضائية.
كما أن طبيعة الجرائم المنسوبة في هذه القضايا تفرض على المحكمة إيلاء عناية خاصة بحقوق الضحايا، من خلال ضمان احترام كرامتهم وسلامتهم أثناء سير المحاكمة، وتمكينهم من المشاركة في الإجراءات بالحدود التي يسمح بها القانون، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الشهود من أي ضغوط أو تهديدات قد تؤثر في أقوالهم أو في سلامتهم الشخصية. وفي المقابل، يجب ألا تؤدي تدابير الحماية إلى الحد من حقوق الدفاع أو الانتقاص من قدرة المتهمين على مناقشة الأدلة والشهادات المقدمة ضدهم، باعتبار أن التوازن بين حقوق الضحايا وحقوق المتهمين يمثل أحد الأسس الجوهرية للمحاكمة العادلة.
ومن خلال مقارنة الجلستين، يمكن ملاحظة أن المحكمة حافظت على انتظام انعقادها خلال فترة زمنية معقولة، وهو أمر ينسجم من حيث المبدأ مع حق جميع أطراف الدعوى في الفصل في القضايا خلال مدة معقولة، بما يمنع إطالة أمد المحاكمات دون مبرر. غير أن هذا المؤشر الإيجابي يظل غير كافٍ بمفرده لتقييم عدالة الإجراءات، إذ إن سرعة الفصل لا يمكن أن تكون على حساب حقوق الدفاع أو على حساب تمكين المحكمة من دراسة الأدلة دراسة وافية.
وتظهر المراقبة أيضاً أن السلطات القضائية لا تزال تتبع سياسة إعلامية تقوم على نشر بيانات مقتضبة عن الجلسات، دون توفير معلومات كافية حول الطلبات التي تقدم بها الدفاع أو النيابة، أو القرارات التي أصدرتها المحكمة أثناء نظر الدعوى، أو الأساس القانوني الذي استندت إليه في تلك القرارات. ورغم أن بعض القيود على نشر المعلومات قد تكون مبررة لحماية سير العدالة أو أمن الشهود، فإن المعايير الدولية تشجع على نشر أكبر قدر ممكن من المعلومات الإجرائية، بما يعزز ثقة الجمهور في استقلال القضاء ويحد من انتشار المعلومات غير الدقيقة أو التفسيرات المتضاربة بشأن سير المحاكمات.
وتبعاً لذلك، فإن الجلسة الثانية تعكس استمرار المحكمة في مباشرة اختصاصها القضائي، إلا أن محدودية المعلومات المتاحة لا تزال تحول دون إجراء تقييم نهائي لمدى احترام جميع ضمانات المحاكمة العادلة، وهو ما يجعل من الضروري استمرار مراقبة الجلسات اللاحقة، ولا سيما فيما يتعلق بطريقة فحص الأدلة، وضمان حقوق الدفاع، وكيفية تعامل المحكمة مع أي دفوع تتعلق بالاختصاص أو بصحة الإجراءات أو بمشروعية الأدلة المقدمة إليها.
تقييم إجراءات المحاكمة في ضوء المعايير الدولية للمحاكمة العادلة
يشكل احترام ضمانات المحاكمة العادلة أحد أهم المؤشرات التي يقاس من خلالها مدى التزام الدولة بسيادة القانون، ولا سيما في القضايا التي تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان أو بجرائم ارتكبت خلال نزاعات مسلحة. ولا تقتصر أهمية هذه الضمانات على حماية حقوق المتهمين، وإنما تمتد إلى حماية حقوق الضحايا وتعزيز ثقة المجتمع في استقلال القضاء ونزاهته، إذ إن العدالة التي لا تُمارس وفق إجراءات عادلة تفتقد جزءاً أساسياً من مشروعيتها.
وفي ضوء المعلومات التي أمكن رصدها بشأن الجلستين الأولى والثانية، يلاحظ أن انعقاد المحاكمات بصورة علنية يمثل مؤشراً إيجابياً ينسجم مع الأصل العام الذي تقرره المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تنص على أن تكون المحاكمات علنية، إلا في حالات استثنائية تبررها اعتبارات محددة نص عليها القانون. وقد أسهم الإعلان الرسمي عن مواعيد الجلسات في إظهار انتقال القضية من مرحلة التحقيق إلى مرحلة التقاضي، غير أن العلنية لا تتحقق بمجرد السماح بانعقاد الجلسة، وإنما تستلزم أيضاً إتاحة معلومات كافية حول سير الإجراءات والقرارات القضائية بما يتيح للجمهور ووسائل الإعلام والجهات الرقابية متابعة حسن سير العدالة. ومن خلال متابعة الجلستين، يلاحظ أن البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية بقيت مقتضبة، ولم تتناول بصورة تفصيلية ما دار داخل قاعة المحكمة، الأمر الذي حد من إمكانية تقييم العديد من الضمانات الإجرائية التي لا يمكن التحقق منها إلا من خلال الاطلاع على محاضر الجلسات أو القرارات القضائية.
ويلاحظ كذلك أن حضور محامي الدفاع إلى جانب المتهمين يشكل خطوة إيجابية تتفق مع الحق في الاستعانة بمحام منذ المراحل الأولى للمحاكمة. غير أن هذا الحق لا يقتصر على الوجود الشكلي للمحامي أثناء انعقاد الجلسة، وإنما يشمل تمكينه من التواصل مع موكله بصورة سرية، والحصول على الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع، والاطلاع على ملف الدعوى والأدلة المقدمة من النيابة العامة، وتقديم الطلبات والدفوع واستدعاء الشهود ومناقشة أدلة الاتهام دون قيود غير مبررة. ونظراً لعدم توافر معلومات علنية بشأن هذه الجوانب، فإن التقرير لا يستطيع الجزم بمدى تحقق هذه الضمانات بصورة كاملة، وهو ما يستدعي مزيداً من الشفافية من جانب المحكمة.
كما تثير طبيعة المحكمة المختصة بالنظر في هذه القضايا مسألة قانونية ذات أهمية خاصة. فالمعايير الدولية لا تمنع وجود محاكم عسكرية، إلا أنها تؤكد باستمرار أن اختصاصها ينبغي أن يفسر تفسيراً ضيقاً، وأن يقتصر على الحالات التي تبررها ضرورة حقيقية، مع ضمان تمتع جميع المتقاضين بالحقوق ذاتها المكفولة أمام المحاكم العادية. وفي حال شملت هذه القضايا متهمين مدنيين، فإن المحكمة مطالبة ببيان الأساس القانوني الذي يبرر اختصاصها، وبيان الأسباب التي تحول دون نظر القضاء العادي في هذه القضايا، وذلك انسجاماً مع مبدأ القاضي الطبيعي الذي يعد أحد المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة.
ومن الجوانب التي تستحق المتابعة أيضاً كيفية تعامل المحكمة مع الأدلة، ولا سيما الأدلة الرقمية التي أصبحت تشكل عنصراً رئيسياً في التحقيقات المتعلقة بالنزاعات المسلحة والانتهاكات الجماعية. فالمواد المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي قد تسهم في كشف بعض الوقائع، إلا أنها لا تكتسب قيمة إثباتية تلقائية، وإنما يجب أن تخضع لفحص دقيق يثبت مصدرها، وسلامة حفظها، وعدم تعرضها للتعديل أو الاجتزاء، وأن تتاح للدفاع فرصة مناقشتها والطعن في صحتها والاستعانة بخبراء مستقلين عند الضرورة. ويكتسب ذلك أهمية مضاعفة في القضايا التي تتعلق بجرائم خطيرة، حيث قد يكون الاعتماد على أدلة غير موثوقة سبباً في الإضرار بحقوق المتهمين أو في إهدار حقوق الضحايا.
كما يقتضي ضمان المحاكمة العادلة أن تتعامل المحكمة مع جميع أطراف الدعوى على أساس المساواة، وأن تضمن احترام قرينة البراءة طوال سير الإجراءات. ويشمل ذلك الامتناع عن إصدار أي تصريحات أو اتخاذ أي إجراءات توحي بأن المتهم مذنب قبل صدور حكم قضائي نهائي، فضلاً عن ضمان عدم تأثر المحكمة بالضغوط السياسية أو الإعلامية أو المجتمعية التي قد ترافق القضايا ذات الاهتمام العام. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في القضايا المرتبطة بأحداث السويداء، نظراً لحجم الاهتمام الشعبي والإعلامي الذي رافقها، وما قد يترتب على ذلك من توقعات واسعة بشأن نتائج المحاكمات.
وبوجه عام، تشير المعطيات المتاحة إلى أن المحاكمات دخلت مرحلة قضائية فعلية، وأن المحكمة تواصل نظر الملفات المحالة إليها بصورة منتظمة، إلا أن محدودية المعلومات المنشورة بشأن الإجراءات لا تزال تحول دون إجراء تقييم نهائي لمدى الالتزام الكامل بجميع معايير المحاكمة العادلة. ومن ثم، فإن تعزيز الشفافية القضائية، ونشر ملخصات دورية للإجراءات والقرارات، وتمكين المراقبين المستقلين من متابعة الجلسات، من شأنه أن يسهم في ترسيخ الثقة في مسار العدالة، وأن يعزز مصداقية الأحكام التي ستصدر في هذه القضايا، سواء لدى الضحايا أو لدى المتهمين أو لدى المجتمع بوجه عام.
الاستنتاجات
تظهر مراقبة الجلستين الأولى والثانية أن السلطات القضائية السورية بدأت مرحلة المساءلة القضائية عن الانتهاكات المرتبطة بأحداث السويداء بعد انتهاء أعمال اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق، وهو تطور يمثل انتقالاً مهماً من مرحلة تقصي الحقائق إلى مرحلة المحاسبة القضائية. ويعكس انعقاد الجلسات بصورة علنية، وحضور المتهمين ووكلائهم القانونيين، اتجاهاً نحو إضفاء قدر أكبر من الشفافية على الإجراءات القضائية مقارنة بما كان سائداً في عدد من القضايا ذات الطبيعة المماثلة خلال السنوات السابقة.
إلا أن المراقبة أظهرت في الوقت نفسه أن مستوى الشفافية ما يزال محدوداً، إذ اقتصرت المعلومات الرسمية على بيانات موجزة لم تتناول بصورة كافية سير الجلسات أو القرارات الإجرائية التي اتخذتها المحكمة أو الأساس القانوني الذي استندت إليه في معالجة الطلبات المقدمة إليها. وأدى ذلك إلى الحد من قدرة المراقبين المستقلين على تقييم عدد من الضمانات الجوهرية للمحاكمة العادلة، ومنها مدى تمكين الدفاع من الاطلاع على ملف الدعوى، وكيفية مناقشة الأدلة، وطريقة تعامل المحكمة مع الطلبات والدفوع، ومدى التزامها بمبدأ المساواة بين الخصوم.
كما يلاحظ التقرير أن استمرار نظر هذه القضايا أمام القضاء العسكري يفرض على المحكمة واجباً مضاعفاً في إظهار استقلالها وحيادها، وتقديم تسبيب واضح لاختصاصها، ولا سيما إذا كانت الدعوى تشمل متهمين من غير العسكريين. فالمعايير الدولية تؤكد أن اختصاص القضاء العسكري ينبغي أن يظل محدوداً واستثنائياً، وأن يخضع لرقابة قانونية فعالة تكفل عدم المساس بحق الأفراد في المثول أمام قاضيهم الطبيعي.
وتؤكد المراقبة كذلك أن نجاح هذه المحاكمات لن يقاس فقط بصدور أحكام قضائية، وإنما بقدرة السلطة القضائية على بناء الثقة العامة في نزاهة الإجراءات واستقلالها. فالعدالة الانتقالية لا تتحقق بمجرد معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإنما تستلزم أيضاً احتراماً كاملاً لحقوق جميع أطراف الدعوى، بما في ذلك حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة والمشاركة في الإجراءات، وحقوق المتهمين في محاكمة عادلة تكفل لهم جميع وسائل الدفاع التي يقرها القانون.
وبناءً على ما سبق، يرى التقرير أن المحاكمات تمثل بداية مهمة لمسار المساءلة القضائية عن أحداث السويداء، إلا أن تحقيق العدالة بصورة فعالة يتطلب استمرار تطوير مستوى الشفافية القضائية، وتمكين الرأي العام والجهات الحقوقية المستقلة من متابعة الإجراءات، ونشر قرارات المحكمة وأسبابها بالقدر الذي لا يمس سلامة التحقيق أو حقوق الأطراف، بما يعزز الثقة في استقلال القضاء ويكرس مبدأ سيادة القانون.
التوصيات
أولاً- إلى محكمة الجنايات العسكرية: توصي المؤسسة المحكمة بالاستمرار في عقد جلسات المحاكمة بصورة علنية، ونشر ملخصات رسمية بعد كل جلسة تتضمن أهم الإجراءات والقرارات القضائية، بما يعزز شفافية المحاكمة ويسمح بمتابعة سير العدالة. كما توصي بتقديم تسبيب قانوني واضح لأي قرار يتعلق بالاختصاص أو بالإجراءات أو بالأدلة، وضمان تمكين الدفاع من الاطلاع الكامل على ملف الدعوى ومناقشة جميع أدلة الإثبات واستدعاء شهود النفي، والتحقق من سلامة جميع الأدلة الرقمية وفقاً للمعايير الدولية، واستبعاد أي دليل يثبت أنه جرى الحصول عليه نتيجة التعذيب أو الإكراه أو أي معاملة مخالفة للقانون.
ثانياً- إلى وزارة العدل: يوصي التقرير وزارة العدل بتعزيز مبدأ الشفافية في إدارة المحاكمات ذات الاهتمام العام من خلال نشر البيانات القضائية بصورة دورية، وتسهيل حضور وسائل الإعلام والمراقبين المستقلين وفق ضوابط تحفظ حسن سير العدالة، والعمل على مراجعة التشريعات الناظمة لاختصاص القضاء العسكري بما يضمن توافقها مع التزامات الجمهورية العربية السورية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
ثالثاً- إلى اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث السويداء: يوصي التقرير اللجنة بمواصلة التعاون مع الجهات القضائية مع المحافظة على استقلاليتها، ونشر تقريرها النهائي أو ملخص وافٍ عنه متى سمحت الإجراءات القضائية بذلك، وتوضيح منهجية اختيار القضايا المحالة إلى القضاء، وضمان حفظ الأدلة وفق معايير تتيح للمحكمة وللدفاع التحقق من سلامتها ومصدرها، بما يعزز مصداقية عملية المساءلة.
رابعاً- إلى السلطات السورية: يدعو التقرير السلطات السورية إلى ضمان استقلال السلطة القضائية عن جميع أشكال التأثير السياسي أو الأمني، وإتاحة المجال أمام المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية لمراقبة المحاكمات، وتنفيذ التوصيات الصادرة عن الآليات الدولية ذات الصلة بالمحاكمة العادلة واستقلال القضاء، بما يعزز ثقة المجتمع في مؤسسات العدالة ويكرس مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
انتهى التقرير – دمشق / تموز ٢٠٢٦