تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الاولى من المحاكمة العلنية للمتهم “وسيم بديع الأسد”

المنعقدة بتاريخ 24 حزيران/يونيو 2026                      في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة

مؤسسة حَقّي

وقائع الجلسة الأولى

انعقدت في 24 حزيران/يونيو 2026 أمام محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل بدمشق الجلسة الأولى من محاكمة وسيم بديع الأسد، ابن عم الرئيس السابق بشار الأسد. واكتسبت المحاكمة أهمية خاصة لكون المتهم من أبرز أفراد عائلة الأسد الذين مثلوا حضورياً أمام القضاء السوري بعد سقوط النظام السابق.

كان المتهم قد أوقف في 21 حزيران/يونيو 2025 عند الحدود السورية–اللبنانية، وفق ما أعلنته السلطات السورية. وسبق افتتاح المحاكمة صدور قرار عن قاضي التحقيق المختص بإحالته إلى قاضي الإحالة تمهيدًا لمحاكمته أمام محكمة الجنايات. غير أن النص الكامل لقرار الاتهام وقرار الإحالة لم يكن منشورًا ضمن المواد التي أمكن الاطلاع عليها، بما يحول دون التحقق المستقل من جميع المواد القانونية المسندة إليه.

باشرت المحكمة خلال الجلسة بتلاوة لائحة الاتهام ومواجهة المتهم بالوقائع المنسوبة إليه. وتضمنت الاتهامات، وفق المصادر الرسمية، إدارة وتشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية مرتبطة بالفرقة الرابعة، بالتنسيق مع العميد غياث دلا، وتمويل هذه المجموعات بالمال والسلاح، وتسليح مجموعات رديفة شاركت في عمليات عسكرية في الغوطة الشرقية، ولا سيما في بلدة المليحة.

وشملت اللائحة كذلك اتهامات بالمشاركة في أعمال عنف أدت إلى مقتل مدنيين، وارتكاب أعمال ترهيب وتخويف وخطف واعتداءات في جرمانا ومناطق أخرى، إلى جانب تقاضي الرشاوى مقابل نقل العسكريين أو إعفائهم فعليًا من الخدمة، وهي الممارسة المعروفة محليًا باسم «التفييش».

كما تضمنت القضية اتهامات تتعلق بالاتجار بالمخدرات والارتباط بشبكات تهريب، ومنها العلاقة المنسوبة إلى المتهم مع تاجر المخدرات اللبناني نوح زعيتر. ويجب التأكيد أن مجرد وجود علاقة أو تواصل بين شخصين لا يكفي وحده لإثبات جريمة الاتجار بالمخدرات، ما لم تقترن هذه العلاقة بأدلة مادية وقانونية تثبت مساهمة المتهم في نشاط إجرامي محدد.

ووفق العرض الرسمي اللاحق لمسار المحاكمة، أنكر وسيم الأسد الاتهامات الموجهة إليه. كما واجهته المحكمة بتسجيلات مصورة قالت إنها تثبت مشاركته في أعمال قتالية. ولا تتوافر في المجال العام معلومات كافية عن مصدر هذه التسجيلات، وسلامة حيازتها، وما إذا كان الدفاع قد حصل على نسخة منها والوقت اللازم لفحصها والطعن في صحتها أو سياقها.

شهدت الدقائق الأولى من الجلسة بثًا مباشرًا نشرته وزارة العدل السورية، قبل أن يتوقف البث بداعي حماية الشهود وسلامة المشاركين في القضية. وتُعد حماية الشهود والضحايا سببًا مشروعًا لتقييد بعض مظاهر العلنية، ولكن ينبغي أن يصدر أي تقييد بقرار قضائي مسبب، وأن يكون محددًا بالقدر الضروري، وألا يتحول إلى إغلاق شامل للمحاكمة أو يمنع المراقبة الحقوقية المستقلة.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أن الجلسة كانت مخصصة أساسًا لتلاوة لائحة الاتهام، ومواجهة المتهم بالوقائع والأدلة الأولية، والبدء بإجراءات الإثبات والاستماع إلى الشهود. إلا أن المواد المنشورة لا تكشف بصورة كافية عدد الشهود الذين استمعت إليهم المحكمة في هذه الجلسة، أو مضمون شهاداتهم، أو ما إذا كان الدفاع قد ناقشهم بصورة مباشرة.

التقييم الحقوقي للجلسة الأولى

يمثل تقديم شخصية ذات صلة وثيقة بالعائلة الحاكمة السابقة إلى محكمة جنائية مدنية تطورًا مهمًا في مواجهة إرث الإفلات من العقاب. كما أن عقد الجلسة في قصر العدل وإعلان جانب من إجراءاتها وإتاحة حضور جهات حقوقية وإعلامية يشكل مؤشرات إيجابية على الانتقال من المعالجة الأمنية المغلقة إلى المساءلة القضائية.

مع ذلك، فإن خطورة الاتهامات والمكانة السابقة للمتهم لا تعفي المحكمة والنيابة العامة من الالتزام الكامل بقرينة البراءة. فالمتهم يبقى بريئًا قانونًا إلى أن تثبت مسؤوليته الفردية بأدلة مشروعة وكافية، وفي محاكمة مستقلة ومحايدة تكفل له حق الدفاع والطعن.

ومن الملاحظات التي ينبغي تسجيلها استخدام بعض المؤسسات ووسائل الإعلام الرسمية أوصافًا قطعية، مثل «المجرم»، قبل صدور الحكم. وهذه اللغة لا تنسجم مع قرينة البراءة، وقد تخلق انطباعًا بوجود نتيجة مقررة سلفًا. وكان الأجدر استخدام وصف «المتهم» طوال مرحلة المحاكمة، بصرف النظر عن جسامة الوقائع المنسوبة إليه.

كما أن تنوع الاتهامات بين القتل والخطف والتعذيب وتشكيل مجموعات مسلحة والرشوة والاتجار بالمخدرات يفرض على المحكمة الفصل بين كل واقعة وأخرى، وبيان الأدلة التي تثبتها، ودور المتهم الشخصي فيها، والقصد الجرمي المطلوب لكل جريمة. ولا يكفي الاستناد إلى القرابة العائلية أو النفوذ السابق أو السمعة العامة لإثبات المسؤولية الجنائية.

وتطرح مواجهة المتهم بتسجيلات مصورة مسألة سلامة الدليل الرقمي. ويجب في هذا النوع من الأدلة التحقق من المصدر وتاريخ التسجيل وعدم التلاعب بالمحتوى وهوية الأشخاص الظاهرين فيه، مع تمكين الدفاع من فحص النسخة الأصلية والاستعانة بخبير فني عند الضرورة.

أما وصف بعض الوقائع بأنها «جرائم حرب» أو «جرائم ضد الإنسانية»، فيتطلب أكثر من إثبات وقوع القتل أو التعذيب. فالجريمة ضد الإنسانية تستلزم إثبات ارتكاب الفعل في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، مع علم المتهم بالسياق. كما أن وصف الفعل بأنه جريمة حرب يتطلب إثبات ارتباطه بنزاع مسلح وتوافر العناصر القانونية للجريمة.

ولا تكشف التغطية المتاحة الأساس التشريعي السوري الذي اعتمدته النيابة لإسناد هذه الأوصاف الدولية، ولا المواد القانونية المحددة الواردة في قرار الاتهام. وهذه مسألة جوهرية بسبب ارتباطها بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وبضرورة معرفة ما إذا كانت المحكمة تطبق نصوص قانون العقوبات السوري على أفعال القتل والتعذيب والخطف، أم تستند كذلك إلى قواعد القانون الجنائي الدولي.

التوصيات المتعلقة بالجلسة الأولى

ينبغي نشر نسخة منقحة من قرار الاتهام وقرار الإحالة، مع حجب أسماء الشهود أو المعلومات التي قد تعرضهم للخطر، حتى يتمكن الجمهور والمراقبون من معرفة الوقائع والمواد القانونية المسندة إلى المتهم.

كما ينبغي توضيح الأساس القانوني لأي قرار بإغلاق الجلسات أو وقف البث، وحصر السرية في الأجزاء التي تتطلب حماية فعلية للشهود والضحايا. ويمكن تحقيق ذلك من خلال إخفاء الهوية أو حجب الصورة أو عقد جزء مغلق من الجلسة، بدل منع الجمهور من الاطلاع على كامل الإجراءات.

ويتعين ضمان حصول الدفاع على ملف الدعوى والأدلة والتسجيلات والتقارير الفنية، ومنحه وقتًا كافيًا للتحضير، وتمكينه من مناقشة شهود الإثبات واستدعاء شهود النفي وطلب الخبرة الفنية والطبية اللازمة.

كما ينبغي على المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام العامة الامتناع عن وصف المتهم بأنه مجرم قبل صدور حكم نهائي، لأن احترام قرينة البراءة لا يتعارض مع دعم المحاسبة أو الاعتراف بمعاناة الضحايا، بل يعزز شرعية الحكم الصادر لاحقًا.

الخلاصة

مثّلت جلسة 24 حزيران/يونيو 2026 افتتاحًا مهمًا لمحاكمة وسيم الأسد، وانتقلت خلالها القضية من مرحلة التحقيق والإحالة إلى المحاكمة العلنية أمام محكمة الجنايات الرابعة. وقد أظهرت الجلسة جدية في تحريك المساءلة عن اتهامات شديدة الخطورة، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن حاجة واضحة إلى نشر معلومات أدق بشأن قرار الاتهام، والأساس القانوني للجرائم الدولية، وطريقة التعامل مع الأدلة الرقمية، وضمانات الدفاع، وأسباب تقييد العلنية.

وتبقى القيمة الحقوقية لهذه المحاكمة مرتبطة ليس فقط بالعقوبة التي ستصدر، وإنما بقدرة القضاء على إثبات كل واقعة بصورة فردية وشفافة، وإصدار حكم معلل يمكن مراجعته أمام محكمة النقض. فالمحاكمة العادلة ليست حماية للمتهم وحده، بل هي أيضًا ضمانة للضحايا كي تكون الإدانة ثابتة وقابلة للدفاع عنها قانونيًا، وألا تتحول المساءلة إلى حكم رمزي معرض للانتقاد أو الإبطال.

إعداد وتقديم الخبير القانوني المعتصم الكيلاني