تقرير المراقبة الحقوقية للجلسة الثالثة من محاكمة “أحمد بدر الدين حسون”
المنعقدة بتاريخ 23 تموز/يوليو 2026 – قصر العدل في دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
تقديم مذكرات الادعاء والدفاع ومناقشة الأدلة المصورة
أولًا: مقدمة
عقدت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق جلستها الثالثة في الدعوى الجزائية المقامة بحق أحمد بدر الدين حسون بتاريخ 23 تموز/يوليو 2026.
جاءت الجلسة بعد انتهاء المحكمة، في الجلسة الثانية، من سماع عدد من شهود الحق العام ضمن إجراءات مغلقة. وانتقلت الدعوى في هذه الجلسة إلى مرحلة عرض المذكرات المكتوبة وتقديم الأدلة المصورة ومناقشة سلامتها الفنية.
شكّلت التسجيلات المرئية محورًا رئيسيًا في الجلسة، بالنظر إلى اعتماد قسم مهم من الاتهامات على تصريحات وخطب ومحاضرات منسوبة إلى المتهم. كما قدم الادعاء والدفاع مذكرتين خطيتين عرض فيهما كل طرف موقفه من الوقائع والأدلة.
ثانيًا: تشكيل المحكمة والحضور
انعقدت الجلسة برئاسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وعضوية المستشارين:
- عبد الحميد محمد الحمود.
- حسام حسين عبد الرحمن.
وحضر عن النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي.
كما حضر المتهم أحمد بدر الدين حسون ومحاميه، وحضر ممثلو جهة الادعاء، إلى جانب مراقبين وممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية.
استمرار المحاكمة أمام الهيئة القضائية ذاتها مكّن أعضاء المحكمة من ربط الأدلة الجديدة بالتهم التي تُليت في الجلسة الأولى وبالشهادات التي استمعت إليها في الجلسة الثانية.
ثالثًا: افتتاح الجلسة
بعد تثبيت حضور أطراف الدعوى، بدأت المحكمة باستكمال إجراءات الإثبات. وتمحورت الجلسة حول ثلاثة تطورات أساسية:
- تقديم جهة الادعاء مذكرتها القضائية.
- إبراز مجموعة من التسجيلات المرئية بوصفها أدلة ضد المتهم.
- تقديم الدفاع مذكرة خطية وطلب فحص التسجيلات بواسطة خبرة فنية.
وبذلك لم تقتصر الجلسة على عرض الأقوال الشفهية، بل تضمنت وضع المواقف القانونية والأدلة الفنية بصورة رسمية أمام المحكمة.
رابعًا: مذكرة جهة الادعاء
قدمت جهة الادعاء مذكرة قضائية تضمنت موقفها من الوقائع المنسوبة إلى المتهم والأدلة التي ترى أنها تدعم طلب تجريمه.
ارتبطت المذكرة بالمحاور التي قامت عليها الدعوى، وفي مقدمتها:
- استخدام المنصب الديني في تأييد العمليات العسكرية والأمنية.
- الخطابات الموجهة إلى عناصر وضباط الجيش.
- التصريحات المتعلقة بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام السابق.
- المواقف من اللاجئين والمعارضين.
- تأييد ضباط وقادة عسكريين شاركوا في النزاع.
- دعم التدخل العسكري الروسي والإيراني.
- المساعدة المعنوية والسياسية والدينية المقدمة إلى القوات والتشكيلات المسلحة.
- استغلال المنصب والعلاقات الرسمية لتحقيق منافع شخصية.
كان من الضروري أن تفصل مذكرة الادعاء بين هذه المحاور، لأن كل واحد منها يخضع لعناصر قانونية وإثباتية مختلفة. فإثبات استغلال الوظيفة يختلف عن إثبات التحريض على القتل، كما يختلف كلاهما عن إثبات المساعدة أو التدخل في جرائم ارتكبها أشخاص آخرون.
خامسًا: تقديم التسجيلات المرئية
قدمت جهة الادعاء مقاطع فيديو قالت إنها تتضمن أدلة على الاتهامات المسندة إلى أحمد حسون.
بدت هذه التسجيلات ذات أهمية محورية لأن المسؤولية المنسوبة إلى المتهم تقوم جزئيًا على أقوال علنية، وليس فقط على أفعال مادية أو أوامر مكتوبة.
وتناولت الدعوى تسجيلات مرتبطة بخطب ومحاضرات وتصريحات إعلامية ومواقف علنية للمتهم خلال سنوات النزاع. كما ارتبط بعضها بظهوره إلى جانب شخصيات عسكرية وسياسية وتأييده عمليات أو تدخلات عسكرية.
ولا تكفي مشاهدة المقطع داخل المحكمة لإثبات جميع العناصر المتصلة به. فالتسجيل المرئي يثير مستويين مختلفين من الإثبات:
المستوى الأول: سلامة الدليل الفني
يتعلق هذا المستوى بإثبات أن المقطع أصلي، ولم يتعرض للتحريف أو الحذف أو الدمج أو التلاعب.
المستوى الثاني: الدلالة القانونية للمحتوى
يتعلق بتحديد ما إذا كانت العبارات الواردة فيه تشكل تحريضًا أو مساعدة أو تشجيعًا جنائيًا، أم أنها تظل ضمن التعبير السياسي أو الديني، مهما كانت حدتها أو خطورتها الأخلاقية.
وإثبات المستوى الأول لا يحسم المستوى الثاني. فقد يكون التسجيل صحيحًا من الناحية التقنية، لكن مضمونه لا يستوفي جميع عناصر الجريمة. والعكس صحيح؛ فقد يتضمن مقطع متداول عبارات خطيرة، لكن لا يجوز الاستناد إليه قبل التحقق من أصالته واكتماله.
سادسًا: طريقة عرض التسجيلات
عند تقديم تسجيل مصور أمام المحكمة، يجب تحديد المقطع بصورة تسمح بإدراجه في ملف الدعوى وعدم الخلط بينه وبين غيره. ويشمل ذلك بيان:
- مصدر التسجيل.
- تاريخ الحصول عليه.
- تاريخ الواقعة المصورة.
- المكان الذي سُجل فيه.
- مدة المقطع الأصلي.
- مدة الجزء المعروض أمام المحكمة.
- الشخص الذي ضبطه أو أرفقه بالملف.
- الوسيط الإلكتروني المحفوظ عليه.
- مدى وجود نسخة أصلية أو نسخة عالية الجودة.
- ما إذا كان المقطع منشورًا كاملًا أو مقتطعًا.
كما يجب أن يثبت محضر الجلسة اسم كل ملف عُرض ومدته والمقطع الزمني محل الاستدلال. ولا يكفي وصف الأدلة بعبارة عامة مثل «مقاطع فيديو»، لأن المحكمة مطالبة في الحكم بتحديد الدليل الذي اعتمدته لإثبات كل واقعة.
سابعًا: إشكالية اجتزاء الخطاب
تكتسب مسألة اكتمال التسجيل أهمية خاصة في قضايا الخطاب والتحريض. فقد يؤدي حذف ما سبق العبارة أو ما تلاها إلى تغيير معناها أو الجمهور المقصود بها.
ولهذا يجب ألا تكتفي المحكمة بمقطع قصير متداول إعلاميًا إذا كان التسجيل الكامل متاحًا. وينبغي فحص الخطاب بوصفه وحدة متكاملة، مع مراعاة:
- العبارة السابقة واللاحقة.
- موضوع اللقاء أو المناسبة.
- الجمهور المخاطب.
- الظروف السياسية والعسكرية.
- طريقة إلقاء العبارة.
- ما إذا كانت العبارة خبرية أو تهديدية أو مجازية أو أمرًا مباشرًا.
- ما إذا عاد المتحدث إلى توضيحها أو تصحيحها.
- الترجمة والتفريغ الكتابي المعتمدين.
ولا يعني ذلك أن وضع العبارة في سياقها يؤدي بالضرورة إلى نفي المسؤولية، لكنه يمنع بناء الإدانة على معنى غير كامل أو مجتزأ.
ثامنًا: مذكرة الدفاع
قدم وكيل المتهم مذكرة دفاع خطية رد فيها على أدلة الادعاء وطلباته.
ويعد تقديم مذكرة مكتوبة أمرًا مهمًا في قضية تتعدد فيها الوقائع والتسجيلات والأوصاف القانونية؛ إذ تسمح المذكرة للدفاع بعرض موقف منظم من كل دليل، بدل الاكتفاء بردود شفوية متفرقة أثناء الجلسة.
وكان من الواجب ضم المذكرة إلى ملف الدعوى، وإثبات تاريخ تقديمها، وتمكين المحكمة والنيابة والادعاء الشخصي من الاطلاع عليها ضمن الحدود القانونية.
كما يتعين على الحكم النهائي معالجة الدفوع الجوهرية التي تضمنتها المذكرة. ولا يكفي ذكر أن الدفاع قدم مذكرة من دون الرد على المسائل التي يمكن أن تؤثر في قبول الدليل أو في ثبوت المسؤولية.
تاسعًا: اعتراض الدفاع على التسجيلات
لم يكتف الدفاع بإنكار مضمون الاتهامات، بل أثار مسألة فنية تتعلق بسلامة مقاطع الفيديو.
وطلب وكيل المتهم إجراء خبرة فنية للتحقق من:
- أصالة المقاطع.
- عدم تعرضها للتحريف.
- عدم تعديل الصورة أو الصوت.
- عدم دمج أجزاء من تسجيلات مختلفة.
- سلامة التسلسل الزمني.
- تطابق الصوت والصورة.
- اكتمال المحتوى محل الاستدلال.
يمثل هذا الطلب ممارسة مشروعة لحق الدفاع في مناقشة أدلة الإثبات. ولا يجوز اعتبار التشكيك في التسجيلات محاولة لتعطيل الدعوى، خصوصًا عندما تشكل هذه المواد جزءًا رئيسيًا من الأساس الذي تطلب النيابة بناء الإدانة عليه.
عاشرًا: استجابة المحكمة لطلب الخبرة
ناقشت المحكمة طلب الدفاع، ثم وافقت على إجراء خبرة فنية على التسجيلات المقدمة من جهة الادعاء.
تعد هذه الاستجابة من أبرز الجوانب الإيجابية في الجلسة الثالثة، لأنها تعكس قبول المحكمة إخضاع دليل الاتهام للفحص بدل افتراض صحته بسبب تداوله أو ظهوره في وسائل الإعلام.
كما أن استجابة المحكمة لطلب صادر عن الدفاع تعزز مبدأ تكافؤ السلاح، وتبين أن مرحلة الإثبات لم تقتصر على تلقي ما يقدمه الادعاء، بل أتاحت للمتهم الاعتراض وطلب وسيلة فنية لاختبار الدليل.
حادي عشر: نطاق الخبرة الفنية المطلوبة
حتى تكون الخبرة ذات قيمة حقيقية، كان ينبغي أن يتضمن قرار المحكمة تحديد المهمة المسندة إلى الخبير، وألا يكتفي بتكليفه بعبارة عامة مثل «فحص الفيديوهات».
ويفترض أن تشمل المهمة، بحسب طبيعة كل ملف:
- فحص بيانات الملف التقنية.
- التحقق من تاريخ الإنشاء والتعديل، إن أمكن.
- تحليل وجود قص أو دمج أو إعادة ترميز.
- فحص التزامن بين الصوت والصورة.
- مقارنة صوت المتحدث بعينات موثوقة.
- تحديد ما إذا كان المقطع كاملًا أو مقتطعًا.
- مقارنة النسخة المقدمة بالنسخة الأصلية أو الأقدم المتاحة.
- إعداد بصمة رقمية للملف.
- توثيق الأدوات والبرامج المستخدمة في التحليل.
- بيان درجة اليقين وحدود النتيجة.
أما تحديد ما إذا كان الكلام يشكل تحريضًا أو جريمة، فهو مسألة قانونية من اختصاص المحكمة، وليس الخبير الفني.
ثاني عشر: حياد الخبير واستقلاله
كان من الضروري اختيار خبير يمتلك اختصاصًا فعليًا في الأدلة الرقمية وتحليل الصوت والصورة، وأن يكون مستقلًا عن أطراف الدعوى.
وينبغي منح الدفاع والادعاء حق الاطلاع على اسم الخبير وخبرته، والاعتراض عليه عند وجود سبب قانوني، وطرح أسئلة إضافية عليه، وطلب توضيح تقريره.
كما ينبغي تمكين الدفاع، عند الضرورة، من الاستعانة بخبير مضاد أو تقديم تقرير فني مستقل، خصوصًا إذا كانت نتيجة الخبرة الرسمية ستؤثر بصورة حاسمة في الإدانة.
ثالث عشر: سلسلة حفظ الأدلة الرقمية
لا يقتصر فحص التسجيلات على محتواها؛ بل يمتد إلى سلسلة حفظها منذ الحصول عليها حتى تقديمها إلى المحكمة.
وتساعد سلسلة الحفظ على الإجابة عن الأسئلة الآتية:
- من حصل على الملف أولًا؟
- من نقله أو نسخه؟
- أين حفظ؟
- هل فُتح أو عُدل؟
- هل توجد نسخة أصلية؟
- هل تطابق النسخة المقدمة النسخة التي فحصها الخبير؟
- هل وُثقت عمليات النسخ والنقل؟
كل انقطاع غير مفسر في سلسلة الحفظ قد يؤثر في وزن الدليل، ولا يؤدي بالضرورة إلى استبعاده بصورة تلقائية. وتعود للمحكمة سلطة تقدير أثر الخلل بعد سماع أطراف الدعوى.
رابع عشر: إثبات هوية المتحدث
حتى إذا ثبت أن التسجيل غير معدل، يجب إثبات أن الشخص الظاهر أو المسموع فيه هو أحمد حسون.
وقد يتم ذلك من خلال الصورة الواضحة، أو معرفة الشهود به، أو مقارنة الصوت، أو اعترافه بصدور التسجيل، أو وجود تسجيل رسمي كامل للفعالية.
لكن ظهور شخص يشبه المتهم لا يكفي إذا كانت جودة التسجيل منخفضة أو كانت الصورة غير واضحة. كما أن إثبات الهوية لا يعني إقرار المتهم بالتفسير الذي يقدمه الادعاء لمضمون الكلام.
خامس عشر: التفريغ الكتابي للتسجيلات
في القضايا التي تقوم على خطاب مسجل، يُفترض إعداد تفريغ كتابي دقيق لكل مقطع، مع بيان التوقيت المقابل لكل عبارة.
ويجب أن تتاح نسخة التفريغ للدفاع لمراجعتها والاعتراض على الأخطاء أو الكلمات غير الواضحة. وإذا تضمن التسجيل لهجة محلية أو مصطلحًا دينيًا أو عسكريًا يمكن فهمه بأكثر من معنى، فقد تستدعي المحكمة خبيرًا لغويًا أو مختصًا لتوضيحه.
ولا ينبغي استبدال التسجيل الأصلي بالتفريغ؛ فالنص المكتوب وسيلة مساعدة، بينما يبقى التسجيل نفسه الدليل الذي يجب أن تفحصه المحكمة.
سادس عشر: الفرق بين الخطاب غير المشروع والتحريض الجنائي
ركزت القضية على تصريحات قيل إنها دعت إلى استخدام القوة ضد المدنيين أو المناطق المعارضة. ومن الضروري التمييز بين عدة مستويات:
- خطاب سياسي مؤيد للسلطة.
- خطاب عدائي أو تمييزي.
- تبرير لاحق لانتهاكات وقعت.
- تشجيع عام على استخدام القوة.
- تحريض مباشر على ارتكاب جريمة.
- مساهمة معنوية فعلية في جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية.
ليست هذه المستويات متطابقة. وقد يكون الخطاب خطيرًا أو مسؤولًا عن زيادة الكراهية من دون أن تتحقق فيه عناصر التحريض على القتل. كما قد يشكل خطابًا تحريضيًا حتى من دون استخدام أمر صريح إذا دل السياق والمضمون والقصد على دعوة الجمهور إلى ارتكاب العنف.
سابع عشر: عناصر التحريض التي يجب إثباتها
كان على المحكمة، عند تقييم المقاطع، بحث العناصر الآتية:
مضمون الخطاب، هل تضمنت العبارات دعوة إلى القتل أو التدمير أو مهاجمة المدنيين، أم تأييدًا عامًا لعمليات عسكرية؟
هوية المتحدث وصفته، هل استُخدمت صفة مفتي الجمهورية لإضفاء سلطة دينية على الدعوة؟
الجمهور المخاطب، هل كان الخطاب موجهًا إلى ضباط أو جنود قادرين على تنفيذ العنف، أم إلى جمهور عام؟
السياق، هل صدر الخطاب أثناء عمليات عسكرية أو بعد وقوع جرائم أو قبل هجوم محدد؟
القصد، هل أراد المتهم تشجيع ارتكاب الجريمة، أم كان قصده المعلن مختلفًا؟
احتمال التأثير، هل كان الخطاب قادرًا عمليًا على التأثير في المخاطبين بالنظر إلى منصب المتهم ومكانته؟
الصلة بالجرائم، هل توجد أدلة على أن أشخاصًا أو وحدات عسكرية تلقوا الرسالة وتأثروا بها أو استخدموها لتبرير أعمالهم؟
ثامن عشر: المساعدة والتشجيع المعنوي
إلى جانب التحريض، قامت نظرية الاتهام على أن خطابات المتهم قدمت دعمًا معنويًا للقوات والميليشيات.
ولإثبات هذه الصورة من المسؤولية، لا يكفي أن تشعر القوات بالتأييد العام. بل يجب تحديد الجرائم التي استفادت من الدعم، وكيف أسهم الخطاب في تعزيز ارتكابها أو استمرارها، ومدى علم المتهم بطبيعة الجرائم.
كما يتعين التمييز بين مسؤولية المتحدث عن كلامه وبين مسؤولية المنفذ عن الفعل المادي. ولا تنقل الجرائم كلها تلقائيًا إلى صاحب الخطاب بسبب موقعه الديني.
تاسع عشر: الحق في حرية التعبير
تحمي حرية التعبير الآراء السياسية والدينية، بما فيها الآراء الصادمة أو غير المقبولة. لكنها لا تحمي التحريض على العنف أو التمييز أو العداوة عندما يبلغ الحد الذي يقرره القانون.
وكان على المحكمة تطبيق معيار دقيق يمنع استخدام تهمة التحريض لتجريم مجرد الموقف السياسي، وفي الوقت نفسه يتيح المساءلة عندما يتحول الخطاب إلى أداة فعلية لتشجيع قتل المدنيين أو مهاجمتهم.
ويجب أن يكون النص الجزائي المستخدم واضحًا ومتوقعًا، وألا يُفسر بصورة توسعية على حساب مبدأ الشرعية.
عشرون: الأثر الإجرائي لموافقة المحكمة
ترتب على قبول طلب الخبرة تأجيل استكمال الإجراءات إلى 30 تموز/يوليو 2026.
وكان ينبغي ألا تنتقل المحكمة إلى تكوين قناعة نهائية بشأن التسجيلات قبل ورود تقرير الخبرة وإتاحته للأطراف. كما كان يلزم منح الدفاع وقتًا كافيًا لدراسة النتيجة وإعداد ملاحظاته وطلب مناقشة الخبير إذا لزم الأمر.
ولا تتحقق فائدة الخبرة إذا تسلمت المحكمة تقريرًا مختصرًا ثم اعتمدته من دون عرضه على الخصوم أو السماح بمناقشته.
الحادي والعشرون: الملاحظات الإيجابية
برزت في الجلسة الثالثة عدة نقاط إيجابية:
- تقديم الادعاء أدلته بصورة رسمية أمام المحكمة.
- تمكين الدفاع من تقديم مذكرة خطية.
- السماح للدفاع بالطعن في سلامة التسجيلات.
- استجابة المحكمة لطلب الخبرة الفنية.
- عدم افتراض صحة المقاطع بسبب تداولها العام.
- تأجيل استكمال الإجراءات لحين فحص الأدلة.
- استمرار حضور المتهم ومحاميه أثناء عرض الأدلة.
الثاني والعشرون: المسائل التي بقيت بحاجة إلى توضيح
رغم أهمية قرار الخبرة، بقيت مسائل غير واضحة، منها:
- عدد التسجيلات التي قدمها الادعاء.
- مدة كل تسجيل.
- مصدر الملفات.
- ما إذا قدمت النسخ الأصلية.
- ما إذا عُرضت المقاطع كاملة أو مجتزأة.
- الجهة الفنية التي كُلفت بالخبرة.
- اسم الخبير واختصاصه.
- المهمة المحددة الواردة في قرار المحكمة.
- المهلة الممنوحة لإعداد التقرير.
- ما إذا حصل الدفاع على نسخة مطابقة من الملفات.
- ما إذا سمح له بتسمية خبير أو اقتراح أسئلة.
- مضمون مذكرة الدفاع والدفوع الجوهرية الواردة فيها.
التقييم الحقوقي العام
مثلت الجلسة الثالثة واحدة من أهم جلسات المحاكمة، لأنها تناولت الدليل الذي يمكن أن يشكل الأساس المباشر لإثبات الأقوال المنسوبة إلى أحمد حسون.
وكان قرار المحكمة إجراء خبرة فنية استجابةً لطلب الدفاع مؤشرًا إيجابيًا على احترام مبدأ المواجهة وتكافؤ السلاح. كما أظهر أن التسجيلات لم تُقبل بصورة تلقائية، بل أخضعت لاختبار فني.
لكن سلامة المحاكمة لا تعتمد على إثبات أصالة المقاطع فقط. فالمرحلة الأهم تتمثل في تفسير محتواها ضمن سياقه، وتحديد ما إذا كان يحقق عناصر التحريض أو المساعدة والتشجيع، وربطه بجرائم معينة وبقصد المتهم وعلمه.
ويجب ألا يؤدي تعدد التسجيلات إلى إنشاء انطباع عام يحل محل التحليل الفردي. فالمحكمة مطالبة بتحديد كل مقطع اعتمدته، والعبارة ذات الصلة، والواقعة التي تثبتها، والوصف القانوني المنطبق عليها.
التوصيات
ينبغي حفظ النسخ الأصلية للتسجيلات في ملف الدعوى بطريقة تمنع تعديلها، مع تثبيت بصمتها الرقمية.
كما ينبغي منح الدفاع نسخة مطابقة من كل ملف، والوقت اللازم لفحصها والاستعانة بخبير مستقل.
ويجب أن يحدد قرار الخبرة الأسئلة الفنية بدقة، وأن يعرض تقرير الخبير على جميع الأطراف قبل اعتماده.
وينبغي السماح للدفاع بمناقشة الخبير وطلب خبرة تكميلية إذا كانت النتيجة غامضة أو لم تشمل جميع الاعتراضات.
كما يجب عرض التسجيلات كاملة، أو بيان سبب تعذر ذلك، وعدم الاعتماد على مقاطع مختصرة من دون مراجعة سياقها.
ويتعين على الحكم النهائي الفصل بين ثلاث مسائل مستقلة:
- صحة التسجيل من الناحية الفنية.
- ثبوت صدور الكلام عن المتهم.
- تحقق العناصر القانونية للجريمة من مضمون الكلام وسياقه.
الخلاصة
شهدت الجلسة الثالثة تقديم جهة الادعاء مذكرتها القضائية ومجموعة من التسجيلات المرئية، في حين قدم الدفاع مذكرة خطية واعترض على سلامة الفيديوهات وطلب إخضاعها لخبرة فنية.
استجابت المحكمة لطلب الدفاع وقررت إجراء الخبرة، ثم حددت 30 تموز/يوليو 2026 موعدًا للجلسة التالية. شكّل هذا القرار ضمانة مهمة، لكنه لم يحسم النزاع بشأن القيمة القانونية للتسجيلات. فحتى إذا أثبتت الخبرة أصالتها، يبقى على المحكمة تحديد ما إذا كانت العبارات الواردة فيها تشكل تحريضًا جنائيًا أو مساعدة فعلية في ارتكاب جرائم محددة، مع احترام قرينة البراءة وحرية التعبير ومبدأ المسؤولية الجنائية الفردية.