تقرير المراقبة الحقوقية للجلسة الخامسة من محاكمة “عبد الناصر براقي”
المنعقدة بتاريخ 27 آب/أغسطس 2026
مؤسسة حَقّي
أولاً: مقدمة
انعقدت جلسة الحكم بتاريخ 27 آب/أغسطس 2026، بعد نحو ثلاثة أسابيع من حجز الدعوى للتدقيق، وانتهت المحكمة إلى إدانة عبد الناصر براقي والحكم عليه بالإعدامز
ثانياً: الجرائم التي انتهى إليها الحكم
شملت الجرائم التي أعلن ثبوت المسؤولية عنها: الإخفاء القسري، وسلب الحرية، والتدخل في القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والسلب بالعنف، والافتراء الجنائي.
ثالثاً: اتساع الوصف الجرمي عند الحكم
يلاحظ أن الحكم النهائي تضمن أوصافاً أوسع من الأوصاف التي برزت في التغطيات الأولى للمحاكمة، وهذه مسألة تستوجب التدقيق في الحكم المسبب للتأكد من كيفية انتقال المحكمة من الاتهامات الأولية المتعلقة بالإخبار والافتراء والسلب إلى الإدانة بالإخفاء القسري والتعذيب والتدخل في القتل، ولا يعني تغير أو تطوير التكييف القانوني بالضرورة وجود خلل، لكن حق الدفاع يتطلب أن يكون المتهم قد علم بالوقائع الجوهرية التي بنيت عليها هذه الأوصاف وأن تكون أتيحت له فرصة الرد عليها.
رابعاً: توصيف الأفعال وفق القانون الدولي
أعلن أن المحكمة اعتمدت في توصيف الأفعال على القانون الدولي باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وربط ذلك بالإعلان الدستوري، بينما استندت في تحديد العقوبة إلى القانون الوطني السوري.
خامساً: مبدأ الشرعية وعدم الرجعية
يستوجب هذا الجانب تحليلاً مستقلاً، فمبدأ الشرعية الجنائية يقتضي ألا يدان شخص بجريمة لم تكن تشكل فعلاً جرمياً وفق القانون الواجب التطبيق وقت ارتكابها، وألا تفرض عقوبة أشد بصورة رجعية، ولذلك ينبغي أن يبين الحكم بصورة واضحة الأساس القانوني الذي استخدم لتوصيف الأفعال كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وعلاقة ذلك بالنصوص الوطنية النافذة وقت وقوع الأفعال وبالقانون الدولي الواجب التطبيق.
سادساً: المسؤولية الجنائية الفردية
تبرز القضية سؤالاً مركزياً حول حدود مسؤولية شخص يقال إنه لم ينفذ جميع الانتهاكات بيده، وإنما ساهم فيها عن طريق تقارير أو إخبارات، وقد أشارت قراءة حقوقية لاحقة للحكم إلى أن أهمية القضية تتصل تحديداً بحدود المسؤولية الفردية لمن ساهموا في منظومة الانتهاكات من غير كبار المسؤولين أو المنفذين المباشرين، ويجب لذلك أن يبين الحكم طبيعة المساهمة، والقصد أو العلم، والأثر الذي أحدثه فعل المتهم في الجرائم النهائية.
سابعاً: الإخفاء القسري وسلب الحرية
إذا بنيت الإدانة في هذين الوصفين على التقارير التي أدت إلى الاعتقال، فينبغي توضيح كيف أثبتت المحكمة علم المتهم أو قصده بشأن استمرار الاحتجاز أو الإخفاء، وليس فقط علمه باحتمال الاستدعاء أو الاعتقال.
ثامناً: التدخل في القتل العمد
هذا من أخطر أوصاف الحكم، لأنه يرتبط مباشرة بالعقوبة الأشد، ويحتاج إلى تسبيب مفصل يوضح مساهمة المتهم في القتل، ورابطته بالنتيجة، ومستوى قصده أو علمه، فمجرد التعاقب الزمني بين تقرير ووفاة شخص لا يكفي بمفرده لإثبات التدخل الجنائي في القتل.
تاسعاً: التعذيب المفضي إلى الموت
ينبغي أيضاً توضيح كيف ربط الحكم المتهم بالتعذيب المفضي إلى الموت إذا لم يكن هو المنفذ المباشر، والمسألة ليست في ثبوت تعرض الضحية للتعذيب فقط، بل في إثبات عناصر المسؤولية الفردية لعبد الناصر براقي عنه.
عاشراً: السلب بالعنف
تستلزم هذه الجريمة تحديد الأموال أو الممتلكات موضوع السلب، وطبيعة دور المتهم فيها، وما إذا كان استفاد منها أو ساعد في الاستيلاء عليها أو تدخل فيها بصورة أخرى.
الحادي عشر: الافتراء الجنائي
يمثل هذا الوصف الأقرب من الناحية الواقعية إلى أصل الادعاء المتعلق بالتقارير والإخبارات، لكن حتى هنا ينبغي إثبات كذب المعلومات، وعلم المتهم بكذبها، والغرض من تقديمها، وعلاقتها بالضرر الذي ترتب.
الثاني عشر: دغم العقوبات
قررت المحكمة دغم العقوبات والحكم بالعقوبة الأشد، وهي الإعدام. كما ثبتت الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه وحولته إلى حجز تنفيذي، وحرمته من الأسباب المخففة التقديرية.
الثالث عشر: عقوبة الإعدام
تثير عقوبة الإعدام مستوى إضافياً من التدقيق الحقوقي، وتعتبر لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن عبارة «أشد الجرائم خطورة» في المادة 6 من العهد يجب أن تفسر تفسيراً ضيقاً لتشمل الجرائم بالغة الخطورة التي تنطوي على قتل عمد، كما تعتبر أن أي انتهاك لضمانات المحاكمة العادلة يؤدي إلى حكم بالإعدام يمكن أن يجعل الحرمان من الحياة تعسفياً، وهذا يعني أن التدقيق في فعالية الدفاع، وصحة الإثبات، وقرينة البراءة، وحق الطعن، والتسبيب يصبح أكثر صرامة عندما تكون النتيجة هي الإعدام.
الرابع عشر: التناسب بين المساهمة والعقوبة
تثير القضية بصورة خاصة مدى تناسب العقوبة مع طبيعة مساهمة المتهم، وتشير معايير لجنة حقوق الإنسان إلى أن الدرجة المحدودة من المساهمة أو الاشتراك، حتى في جريمة شديدة الخطورة، لا تبرر تلقائياً عقوبة الإعدام، لذلك يجب أن يكون الحكم قد أثبت مستوى من المسؤولية الفردية يبرر قانوناً النتيجة العقابية التي انتهى إليها، لا أن يعتمد فقط على خطورة الجرائم التي وقعت للضحايا.
الخامس عشر: تسبيب الحكم
تعد الأسباب أهم من منطوق الحكم في التقييم الحقوقي، فلا يكفي معرفة أن المحكمة أدانت المتهم بجرائم متعددة؛ بل يجب معرفة لماذا اقتنعت بكل دليل، وكيف تعاملت مع إنكاره، وما موقفها من غياب شهود الدفاع، وكيف ربطت التقارير بالقتل والتعذيب والإخفاء.
السادس عشر: الحق في الطعن
ينبغي أن يحدد بصورة واضحة طريق مراجعة الحكم، والمهلة والإجراءات، وما إذا كان تنفيذ العقوبة موقوفاً إلى حين استنفاد طرق الطعن، وفي قضية تنتهي بالإعدام، يمثل وجود مراجعة قضائية فعالة أمام جهة أعلى ضمانة أساسية وليست مسألة شكلية.
السابع عشر: حقوق الضحايا
يحمل الحكم أهمية للضحايا وذوي المفقودين الذين يبحثون عن الاعتراف بالانتهاكات والمساءلة عن المسؤولين عنها، لكن تحقيق العدالة للضحايا لا يتعارض مع احترام حقوق المتهم؛ بل إن المحاكمة التي تحترم أعلى المعايير تمنح نتيجة المساءلة نفسها شرعية أكبر.
الثامن عشر: الملاحظات الإيجابية
سبق الحكم مسار متعدد الجلسات، حضر فيه المتهم، وسمعت المحكمة المدعين والشهود، ومُنح الدفاع مهلة، وسُمح له بطلب شهود دفاع وتقديم مذكرة ختامية، ولم يصدر الحكم فور المرافعات بل بعد حجز الدعوى للتدقيق، كما أن الإعلان عن طبيعة الجرائم والأساس العام للتوصيف يمثل مستوى من الشفافية بشأن نتيجة القضية.
التاسع عشر: المسائل المثيرة للقلق
تتركز أهم أوجه القلق في عدم توافر النص الكامل للحكم المسبب أمام المراقبة العامة، وعدم القدرة على فحص كيفية إثبات الصلة السببية والقصد في جرائم القتل والتعذيب والإخفاء، كما يثير الجمع بين التوصيف الدولي والعقوبة الوطنية أسئلة جدية حول مبدأ الشرعية وعدم الرجعية تستوجب معالجة تفصيلية في أسباب الحكم، وتكتسب هذه المخاوف ثقلاً إضافياً بسبب فرض عقوبة الإعدام.
العشرون: التقييم الحقوقي العام
لا تسمح المعلومات المتاحة بالقول إن المحاكمة افتقرت بمجملها إلى ضمانات إجرائية؛ بل توجد مؤشرات فعلية على حضور المتهم، وممارسة الدفاع، وسماع أطراف الدعوى، ومنح الوقت، وعدم التسرع في الحكم، لكن صدور عقوبة الإعدام يجعل معيار التقييم أكثر صرامة بكثير، فالنتيجة الحقوقية النهائية للمحاكمة لا يمكن أن تقوم على منطوق الحكم وحده، بل تتوقف على ثلاثة أسئلة مركزية: هل أثبت الحكم المسؤولية الفردية عن كل جريمة بدليل كافٍ ومستقل؟هل عالج بصورة مفصلة دفوع الدفاع ومبدأ الشرعية والعلاقة بين القانون الوطني والدولي؟ وهل تتوافر للمتهم مراجعة قضائية فعالة للحكم والعقوبة؟ وإلى أن يصبح الحكم المسبب وملف الطعن متاحين بصورة تسمح بفحصهما، يبقى التقييم الحقوقي النهائي متحفظاً رغم وجود مؤشرات إجرائية إيجابية خلال مراحل المحاكمة.
الحادي والعشرون: التوصيات
ينبغي نشر الحكم المسبب بصورة كاملة أو في نسخة منقحة تحمي البيانات الحساسة؛ وبيان الأدلة التي أثبتت كل جريمة على حدة؛ وشرح الأساس القانوني لتطبيق توصيفات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ وبيان كيفية احترام مبدأ الشرعية وعدم الرجعية؛ وإتاحة مراجعة قضائية كاملة للإدانة والعقوبة، كما ينبغي، بالنظر إلى صدور عقوبة الإعدام، أن تخضع سلامة المحاكمة والأدلة وأسباب الحكم لأعلى مستوى ممكن من التدقيق القضائي قبل أن تصبح العقوبة قابلة للتنفيذ.
الخلاصة العامة للمراقبة الحقوقية للمحاكمة
تكشف متابعة الجلسات الست عن مسار تطور تدريجياً من سماع المدعين والشهود وإنكار المتهم، إلى استكمال أدلة جهة الاتهام، ثم محاولة الدفاع استدعاء شهوده، فالمرافعة الختامية، وأخيراً الحكم بالإعدام.
وتظهر المحاكمة مؤشرات إيجابية حقيقية تتعلق بالحضور والعلنية في معظم المراحل، ومنح الدفاع الوقت، والسماح له بتقديم الطلبات والمرافعة، وعدم إصدار الحكم قبل انتهاء المراحل الأساسية. وهذه النتيجة تنسجم مع التقييم الأولي الوارد في المقترح الذي أرفقته.
لكن المتابعة تكشف في المقابل أربع مسائل تحتاج إلى معالجة أعمق قبل اعتبار التقييم نهائياً: محدودية نشر الأدلة والشهادات؛ غياب تعليل علني كافٍ لسرية جلسة 13 تموز؛ عدم توافر تفاصيل كافية حول فعالية شهود الدفاع؛ والحاجة إلى نشر الحكم المسبب كاملاً، ولا سيما بسبب اتساع الأوصاف الجرمية وانتهاء القضية إلى عقوبة الإعدام. وبذلك لا ينبغي أن يكون معيار نجاح هذه المحاكمة مجرد الوصول إلى إدانة في قضية مرتبطة بانتهاكات الحقبة السابقة، بل قدرة القضاء على إظهار أن المساءلة تمت عبر إثبات المسؤولية الفردية، واحترام حقوق الضحايا والمتهم معاً، وتسبيب الحكم، وإتاحة المراجعة القضائية، والالتزام بمبدأ الشرعية وسيادة القانون. وهذا يتسق مع خلاصة المقترح المرفق الذي ربط الحكم على العدالة بصدور قرار مسبب يستند إلى الأدلة والقانون ويحترم حقوق جميع الأطراف