تقرير المراقبة الحقوقية للجلسة السادسة من محاكمة “أحمد بدر الدين حسون”
المنعقدة بتاريخ 24 آب/أغسطس 2026 – قصر العدل في دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
التدقيق والنطق بالحكم
أولًا: مقدمة
عقدت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق جلستها السادسة في الدعوى المقامة بحق أحمد بدر الدين حسون بتاريخ 24 آب/أغسطس 2026.
خُصصت الجلسة لإعلان نتيجة التدقيق والنطق بالحكم، بعد أن كانت المحكمة قد أغلقت باب المرافعة في جلسة 6 آب/أغسطس، واستمعت إلى مطالب النيابة والادعاء الشخصي والدفاع وأقوال المتهم الأخيرة.
مثلت هذه الجلسة ختام المرحلة الابتدائية من المحاكمة. وعرضت المحكمة خلالها الوقائع التي اعتبرتها ثابتة، والسياق الذي وضعتها فيه، ونظرية المسؤولية التي أخذت بها، ثم أعلنت الأوصاف القانونية والعقوبات والقرارات المدنية والمالية وتدابير حماية الشهود.
انتهت المحكمة إلى الحكم على أحمد حسون بالسجن المؤبد، بعد إدانته بإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والتحريض على القتل، والتدخل في القتل، وإساءة استعمال الوظيفة، وإثارة النعرات المذهبية والعنصرية. كما وصفت الأفعال بأنها تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
ثانيًا: تشكيل المحكمة والحضور
انعقدت الجلسة برئاسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وعضوية المستشارين:
- عبد الحميد محمد الحمود.
- حسام حسين عبد الرحمن.
وحضر المتهم أحمد بدر الدين حسون بصورة وجاهية، إلى جانب محاميه وممثل النيابة العامة ووكلاء الادعاء الشخصي.
كما حضر عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلون عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.
استمرار الهيئة القضائية نفسها حتى جلسة الحكم أتاح لأعضائها بناء القرار على الأدلة والشهادات والمرافعات التي تلقوها خلال الجلسات السابقة.
ثالثًا: افتتاح جلسة الحكم
بدأت المحكمة بعرض الخلفية العامة التي وضعت ضمنها الأفعال المنسوبة إلى المتهم، قبل الانتقال إلى مسؤوليته الفردية.
تناولت المحكمة الأحداث التي بدأت في سوريا عام 2011، واعتبرت أن المظاهرات السلمية المطالبة بالإصلاح ووجهت باستخدام الرصاص الحي والأسلحة الفتاكة.
كما عرضت استخدام القوات العسكرية والأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة غير النظامية، إضافة إلى الاستعانة بميليشيات جاءت من خارج البلاد.
واعتبرت المحكمة أن العمليات شملت:
- القتل واسع النطاق.
- التعذيب.
- العنف الجنسي.
- النهب.
- تدمير الممتلكات.
- التهجير القسري.
- الإخفاء القسري.
- انتهاكات أخرى استهدفت السكان المدنيين.
وخلصت إلى أن هذه الأفعال وقعت ضمن هجوم واسع ومنهجي موجه ضد السكان المدنيين.
رابعًا: أهمية السياق العام
كان عرض السياق ضروريًا لأن المحكمة استخدمت وصفي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
فالجريمة ضد الإنسانية لا تقوم على واقعة فردية معزولة، بل يجب أن يكون الفعل جزءًا من هجوم واسع أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين، وأن يكون المتهم عالمًا بهذا السياق.
أما جريمة الحرب، فتتطلب وجود نزاع مسلح، وارتباطًا كافيًا بين الفعل والنزاع، فضلًا عن تحقق عناصر الجريمة الأصلية.
غير أن ثبوت السياق العام لا يثبت تلقائيًا مسؤولية أحمد حسون. وكان على المحكمة بعد عرض الانتهاكات الواسعة الانتقال إلى تحديد:
- الفعل الفردي الذي قام به.
- الجريمة الأصلية التي ساهم فيها.
- صورة مساهمته.
- أثرها في الجريمة.
- علمه بسلوك الفاعلين.
- القصد الذي رافق تصرفاته.
خامسًا: دور المؤسسة الدينية الرسمية
انتقلت المحكمة إلى بحث دور المؤسسة الدينية الرسمية خلال النزاع.
واعتبرت أن دار الإفتاء استُخدمت لمنح غطاء ديني للعمليات العسكرية والأمنية وتبريرها أمام الجمهور.
ورأت أن المسؤولية المنسوبة إلى أحمد حسون ارتبطت بصفته رئيسًا للمؤسسة الدينية الرسمية، وبقدرته على التأثير في العسكريين والمؤيدين للنظام السابق من خلال الخطاب الديني.
كما تناولت المحكمة تبرير استخدام البراميل المتفجرة في المناطق المأهولة، واعتبرت أن هذه الذخائر غير الموجهة تؤدي إلى آثار واسعة وعشوائية ولا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين والأعيان المدنية.
سادسًا: المسؤولية الفردية وعدم كفاية المنصب
لا تكفي رئاسة دار الإفتاء لإسناد كل ما صدر عن المؤسسة إلى المتهم. ويجب تحديد الأقوال أو التعليمات أو القرارات التي صدرت عنه شخصيًا.
كما لا تكفي الصفة الرسمية لإثبات مسؤوليته عن أعمال القوات العسكرية. فالمسؤولية الجنائية شخصية، ولا تنشأ لمجرد تولي منصب ديني رفيع أو بسبب القرب من رئيس الدولة أو الأجهزة الأمنية.
وتزداد أهمية تحديد الفعل الفردي لأن دار الإفتاء مؤسسة تضم موظفين وخطباء ولجانًا وأقسامًا متعددة. ولذلك كان على الحكم أن يفصل بين سياسة المؤسسة وبين مساهمة أحمد حسون الشخصية في صياغتها أو تنفيذها.
سابعًا: البراميل المتفجرة
أدرجت المحكمة استخدام البراميل المتفجرة ضمن السياق الذي قدمت المؤسسة الدينية الرسمية غطاءً له.
ويمثل استخدام ذخائر غير موجهة في مناطق مأهولة مسألة خطيرة بموجب القانون الدولي الإنساني، لما ينطوي عليه من صعوبة التمييز بين المقاتلين والمدنيين واحتمال وقوع أضرار عشوائية واسعة.
لكن مساءلة أحمد حسون عن هذه الهجمات تحتاج إلى بيان:
- التصريح المحدد الذي برر فيه استخدامها.
- تاريخ التصريح ومكانه.
- الجمهور الذي تلقاه.
- ما إذا كان التصريح سابقًا للهجمات أو لاحقًا لها.
- ما إذا علم المتهم بكيفية استخدام هذه الذخائر.
- ما إذا أثر كلامه في قرار استخدامها أو استمرار استخدامها.
- الجهة العسكرية التي استفادت من التبرير.
فتبرير جريمة بعد وقوعها قد يشكل تأييدًا أو تمجيدًا أو تحريضًا لاحقًا، لكنه لا يثبت بالضرورة التدخل في تنفيذ الجريمة السابقة، ما لم توجد مساهمة أخرى.
ثامنًا: التسجيلات والتصريحات
استندت المحكمة إلى تسجيلات مصورة تضمنت خطابات وتصريحات منسوبة إلى أحمد حسون.
ورأت أن العبارات الواردة فيها لم تكن مجرد مواقف سياسية عامة، بل تضمنت دعوات صريحة أو ضمنية إلى استخدام القوة والعنف ضد فئات محددة.
كما أخذت المحكمة بعين الاعتبار مكانة المتهم الدينية والرسمية، واعتبرت أن أقواله كانت قادرة على تعزيز معنويات المنفذين وإضفاء المشروعية على عملياتهم وتشجيعهم على الاستمرار.
وكانت المحكمة قد وافقت في الجلسة الثالثة على إخضاع التسجيلات لخبرة فنية بناءً على طلب الدفاع. ولذلك كان ينبغي أن يوضح الحكم:
- التسجيلات التي ثبتت أصالتها.
- المقاطع التي استبعدت، إن وجدت.
- نتيجة الخبرة الفنية.
- العبارات التي اعتمدت عليها المحكمة.
- ردها على اعتراضات الدفاع.
- سبب اعتبار الخطاب مساهمة جنائية فعلية.
تاسعًا: الربط بين التصريحات ووقائع القتل
أشارت المحكمة إلى وقوع مجزرة أو وقائع قتل خلال مدة تلت تصريحات نسبت إلى أحمد حسون، وربطت ذلك بفترة بين 23 أيلول/سبتمبر و24 تشرين الأول/أكتوبر 2019.
واستعانت المحكمة ببيانات توثيقية لعرض وقائع قتل المدنيين خلال تلك المرحلة، ورأت أن التصريحات تزامنت مع تصعيد عسكري لاحق.
غير أن التزامن أو التعاقب الزمني لا يكفي وحده لإثبات التحريض على القتل أو التدخل فيه. وكان يلزم تحديد:
- المجزرة المقصودة ومكانها.
- هوية الضحايا.
- القوات التي نفذتها.
- التصريح السابق لها.
- الكلمات التي تضمنت التحريض.
- وصول التصريح إلى المنفذين.
- أثره في قرارهم.
- علم المتهم بالعملية التي ستنفذ.
- القصد الذي توافر لديه.
وإذا لم تثبت هذه الصلة المباشرة، فقد يظل الخطاب قابلًا للمساءلة بموجب وصف آخر، لكنه لا يثبت بالضرورة المسؤولية عن جريمة قتل بعينها.
عاشرًا: الظهور مع عصام زهر الدين
تناولت المحكمة تسجيلًا ظهر فيه أحمد حسون إلى جانب الضابط عصام زهر الدين، الذي نُسبت إلى القوات المرتبطة به انتهاكات خطيرة.
وأخذت المحكمة بعين الاعتبار إشادة حسون به ودعاءه له بالحماية والنصر، بوصف ذلك شكلًا من أشكال الدعم المعنوي.
لكن الظهور مع ضابط أو الإشادة به لا يكفي منفردًا لإسناد جرائمه إلى الشخص الذي أثنى عليه.
ويتطلب تحويل هذا السلوك إلى مساهمة جنائية إثبات أن الدعم:
- تعلق بعمليات أو جرائم محددة.
- قدم في وقت كان المتهم يعلم فيه بارتكاب الانتهاكات.
- وصل إلى الضابط أو عناصره.
- عزز قدرتهم أو استعدادهم للاستمرار.
- كان ذا أثر فعلي يتجاوز المجاملة أو التأييد السياسي العام.
حادي عشر: دعم التدخلين الروسي والإيراني
استندت المحكمة كذلك إلى تسجيلات ظهر فيها المتهم مؤيدًا التدخلين الروسي والإيراني في سوريا.
ورأت أن هذا التأييد جاء في وقت كانت فيه القوات والتشكيلات المتدخلة تشارك في عمليات عسكرية شهدت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
لكن تأييد تدخل عسكري أجنبي لا يؤدي تلقائيًا إلى المسؤولية عن جميع الجرائم التي ترتكبها القوات المتدخلة. وكان يلزم ربط المتهم بجريمة محددة، وإثبات علمه بها وقصده إلى تسهيلها أو تشجيعها.
كما يجب التفريق بين الموقف السياسي المؤيد للتدخل وبين تقديم مساعدة مادية أو معنوية مؤثرة في تنفيذ الجرائم.
ثاني عشر: الدعم المالي للواء القدس
اعتبرت المحكمة أن أحمد حسون قدم بصورة دورية دعمًا ماليًا إلى قيادة وعناصر لواء القدس، وهو تشكيل مسلح شارك في العمليات العسكرية إلى جانب النظام السابق.
وخلصت إلى أن الأموال لم تكن مساعدات اجتماعية أو خيرية مجردة، بل ساهمت في تعزيز قدرة التشكيل على مواصلة نشاطه العسكري.
يمثل الدعم المالي فعلًا أكثر تحديدًا من التأييد اللفظي. ومع ذلك، كان ينبغي أن يوضح الحكم:
- مقدار المبالغ.
- تواريخ تقديمها.
- مصدرها.
- الأشخاص الذين تسلموها.
- الغرض المعلن منها.
- طريقة إنفاقها.
- العمليات التي نفذها اللواء بعد تلقيها.
- الجرائم التي ارتكبها عناصره.
- علم المتهم بهذه الجرائم.
- ما إذا قصد دعم النشاط العسكري أم أغراضًا اجتماعية.
ولا تكفي تسمية التشكيل أو سمعته لإثبات أن كل مبلغ دفع إليه كان مساهمة في جريمة حرب.
ثالث عشر: تلقي الأموال والهدايا
تناولت المحكمة واقعة تلقي مبالغ مالية وهدايا عينية مقابل التدخل لإطلاق سراح محتجزين مدنيين لدى الأجهزة الأمنية.
واعتبرت أن المتهم استخدم علاقاته وموقعه للتدخل في قضايا المحتجزين مقابل منافع.
ارتبط هذا الجزء بالشهادة التي استمعت إليها المحكمة في الجلسة الرابعة، والتي تضمنت الحديث عن مبالغ مالية ومواد عينية وتدخل في قضية امرأة محتجزة أُطلق سراحها بعد 58 يومًا.
وخلصت المحكمة إلى ثبوت إساءة استعمال الوظيفة، وعدلت الوصف القانوني الذي كانت الملاحقة تقوم عليه.
رابع عشر: تعديل الوصف الجرمي
أدانت المحكمة أحمد حسون بإساءة استعمال الوظيفة وفق المادة 342 من قانون العقوبات، بعد تبديل الوصف من المادة 347.
تملك المحكمة، من حيث الأصل، سلطة إعطاء الوقائع وصفها القانوني الصحيح، ولا تكون مقيدة بالتوصيف الذي قدمته النيابة أو الادعاء.
لكن هذه السلطة مقيدة بحق الدفاع. فإذا كان الوصف الجديد يقوم على عناصر مختلفة أو يؤدي إلى عقوبة مختلفة، يجب تنبيه المتهم ومحاميه إليه قبل الحكم ومنحهما فرصة للرد.
وكان ينبغي أن يبين الحكم أو محضر الجلسات ما إذا نوقش احتمال تطبيق المادة 342 خلال المرافعات، أم ظهر للمرة الأولى عند النطق بالحكم.
خامس عشر: نظرية المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي
أوضحت المحكمة أن مسؤولية أحمد حسون تقوم على المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي، ولا سيما من خلال أفعال قولية وعلنية اعتبرتها مساهمة فعلية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وبذلك لم تنسب المحكمة إليه تنفيذ عمليات القتل أو الهجمات بيده، وإنما اعتبرت أنه ساهم فيها من خلال:
- استخدام صفته الدينية.
- تقديم التبرير العلني.
- تشجيع القوات والضباط.
- دعم قادة عسكريين.
- تأييد التدخلات الخارجية.
- تقديم دعم مالي إلى تشكيل مسلح.
- تعزيز عزيمة المنفذين.
- إضفاء المشروعية على أعمالهم.
تعد هذه النظرية محور الحكم وأكثر جوانبه حاجة إلى التعليل التفصيلي.
سادس عشر: متطلبات المساعدة المعنوية
حتى تقوم المسؤولية على أساس المساعدة أو التشجيع المعنوي، ينبغي إثبات عناصر واضحة، منها:
- وقوع جريمة أصلية.
- تقديم المتهم مساهمة محددة.
- وصول المساهمة إلى الفاعلين أو تأثيرها فيهم.
- أن تكون المساهمة ذات أثر فعلي في ارتكاب الجريمة أو استمرارها.
- علم المتهم بأن مساعدته ستسهل الجريمة.
- تحقق القصد المطلوب وفق النص القانوني المطبق.
- وجود علاقة بين المساهمة والجريمة الأصلية.
ولا ينبغي استخدام تعبير «الدعم المعنوي» بطريقة عامة تسمح بإدانة كل من أيد طرفًا في النزاع عن الجرائم التي ارتكبها ذلك الطرف.
سابع عشر: وصف الأفعال بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
قررت المحكمة أن الأفعال الثابتة بحق المتهم تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الواقعة في سياق نزاع مسلح وهجوم واسع ومنهجي على المدنيين.
واستندت في الحكم إلى مواد قانون العقوبات السوري المتعلقة بالقتل والتحريض والتدخل والاقتتال الطائفي وإثارة النعرات وإساءة استعمال الوظيفة، بينما استخدمت أوصاف القانون الدولي لتحديد السياق والجسامة والآثار المتعلقة بالتقادم والعفو.
يثير هذا البناء القانوني مسألة مهمة؛ لأن القانون السوري لا يتضمن نظامًا تشريعيًا متكاملًا يعرّف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وأنماط المسؤولية عنها على نحو يماثل نظام روما الأساسي.
وكان على المحكمة بيان ما إذا كانت هذه الأوصاف:
- أوصافًا تفسيرية للسياق فقط.
- أو جرائم مستقلة أدين المتهم بها.
- أو أساسًا لعدم التقادم والعفو.
- أو سببًا لتشديد العقوبة.
- أو أساسًا لحرمانه من الإفراج المشروط.
ثامن عشر: عدم الرجعية
وقعت الأفعال الأساسية خلال سنوات سبقت الإعلان الدستوري لعام 2025.
ويحظر مبدأ الشرعية تطبيق جريمة أو عقوبة أشد بأثر رجعي. ويمكن ملاحقة الفعل إذا كان مجرّمًا وقت ارتكابه بموجب القانون السوري أو كان يشكل آنذاك جريمة معترفًا بها وفق القانون الدولي، لكن يجب بيان الأساس بوضوح.
ويختلف القول إن الجريمة لا تسقط بالتقادم عن إنشاء وصف أو عقوبة لم تكن مقررة وقت الفعل.
لذلك كان على الحكم تحديد تاريخ كل فعل، والنص النافذ آنذاك، وكيفية استخدام القانون الدولي من دون الإخلال بالمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
تاسع عشر: حجب الأسباب المخففة
قررت المحكمة عدم منح المتهم الأسباب المخففة التقديرية الواردة في المادة 244 من قانون العقوبات، بالنظر إلى جسامة الأفعال ووصفها بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
تملك المحكمة سلطة تقدير الأسباب المخففة ضمن حدود القانون، لكن عليها ممارسة هذه السلطة بصورة فردية، بعد النظر في ظروف المتهم والفعل، لا على أساس الوصف العام وحده.
وفي المقابل، لم تستجب المحكمة لطلب النيابة فرض الإعدام، وانتهت إلى السجن المؤبد بوصفه العقوبة الأشد بعد دغم العقوبات.
منطوق الحكم
عشرون: إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي
جرّمت المحكمة أحمد بدر الدين حسون، ابن محمد أديب ووالدته حميدة، من مواليد عام 1949، بجناية الاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي.
استندت إلى المادة 298 بدلالة المادة 216 من قانون العقوبات العام، وحكمت عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة.
وكان على الحكم بيان العبارات أو الأفعال التي حققت هذا الوصف، والجماعات التي استهدفها الخطاب، وكيف كان من شأنه إثارة الاقتتال، ومدى توافر القصد الخاص لدى المتهم.
الحادي والعشرون: التحريض على القتل قصدًا
جرّمت المحكمة المتهم بجناية التحريض على القتل قصدًا وفق المادة 533 بدلالة المادة 216، وحكمت عليه بالسجن المؤقت عشرين سنة.
تقتضي هذه الإدانة تحديد فعل التحريض، والشخص أو الفئة المخاطبة، والقتل المقصود، والقصد الجرمي.
كما ينبغي توضيح ما إذا كانت المحكمة أدانته بالتحريض على جرائم قتل محددة، أو على نمط من أعمال القتل، وما هي الأدلة التي ربطت الخطاب بالمنفذين.
الثاني والعشرون: التدخل الأصلي في القتل
جرّمت المحكمة المتهم بالتدخل الأصلي في القتل قصدًا، وفق المادة 533 بدلالة الفقرتين «ب» و«د» من المادة 218، وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات.
ويبدو أن المحكمة اعتبرت أن أفعال التشجيع والمساعدة المعنوية والدعم المالي شكلت تدخلًا في جرائم قتل نفذها آخرون.
لكن الحكم الخطي يجب أن يحدد جريمة القتل الأصلية وفاعلها وضحيتها أو نطاق ضحاياها، والفعل الذي جعل المتهم متدخلًا فيها.
الثالث والعشرون: إساءة استعمال الوظيفة
أدانت المحكمة أحمد حسون بإساءة استعمال الوظيفة وفق المادة 342، بعد تعديل الوصف من المادة 347.
وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات، وبغرامة تعادل ثلاثة أمثال قيمة ما اعتبرت أنه حصل عليه، وقدرت الغرامة بمبلغ 195 ألف دولار أمريكي.
ويفهم من مقدار الغرامة أن المحكمة قدرت أصل المنفعة بنحو 65 ألف دولار، وهو المبلغ الذي تناولته الشهادة المتعلقة بالتدخل في قضية المحتجزة.
وكان على الحكم تحديد ما إذا ثبت تسلم كامل المبلغ، ومن سلّمه، وطريقة تقديره، وكيف ربطته المحكمة بالمتهم.
الرابع والعشرون: إثارة النعرات المذهبية والعنصرية
أدانت المحكمة المتهم بإثارة النعرات المذهبية والعنصرية وفق المادة 307 من قانون العقوبات.
وحكمت عليه بالحبس ستة أشهر، وغرامة مقدارها ألف ليرة سورية، وحرمانه من الحقوق المدنية وفق المادة 65.
ويتطلب هذا الوصف تحديد الخطاب الذي استهدف جماعة دينية أو مذهبية أو عرقية، والسياق الذي صدر فيه، ومدى احتماله إثارة النزاع أو العداوة.
الخامس والعشرون: دغم العقوبات
قررت المحكمة دغم العقوبات المانعة للحرية وفق المادة 204 من قانون العقوبات، وتنفيذ العقوبة الأشد، وهي السجن المؤبد مدى الحياة. أما الغرامات، فقررت جمعها وتنفيذها.
وبذلك أصبحت العقوبة السالبة للحرية المنفذة هي السجن المؤبد، مع بقاء الغرامات والآثار المدنية والمصادرة.
السادس والعشرون: الحرمان من العفو والإفراج المشروط
أكدت المحكمة حرمان المحكوم عليه من الاستفادة من:
- العفو العام.
- العفو الخاص.
- الإفراج المشروط.
- وقف تنفيذ العقوبة.
- وقف الحكم النافذ.
وبررت ذلك بجسامة الأفعال ووصفها بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
يثير هذا الجزء إشكالية قانونية. فالعفو الخاص قد يرتبط بصلاحيات دستورية لا تملك محكمة الموضوع تقييدها إلا بنص صريح. كما يخضع الإفراج المشروط ووقف التنفيذ لشروط قانونية محددة.
وكان ينبغي ذكر النص الذي يمنح المحكمة سلطة فرض حرمان دائم ومسبق من جميع هذه الآليات، وعدم الاكتفاء بالوصف الدولي للجرائم.
السابع والعشرون: تعويض المدعين الشخصيين
ألزمت المحكمة المحكوم عليه بتعويض المدعين الشخصيين الذين قبلت دعاواهم، وفق جدول مرفق بباب التعويضات المدنية.
لم تُدرج أسماء المستفيدين أو مبالغ التعويض ضمن المنطوق المتداول، ويُفترض أن يتضمن الجدول تفاصيل كل مدعٍ والضرر الذي ثبت ومقدار التعويض.
ويجب أن تستند التعويضات إلى علاقة سببية بين الفعل الذي أدين به المحكوم عليه والضرر الفردي الذي أصاب المدعي.
الثامن والعشرون: حفظ حقوق بقية المتضررين
احتفظت المحكمة بحقوق كل متضرر لم يتقدم بادعاء شخصي حتى تاريخ الحكم، وبحقوق ذوي الضحايا والمفقودين في مراجعة المرجع القضائي المختص.
يمثل هذا القرار جانبًا إيجابيًا؛ لأنه يمنع اعتبار عدم المشاركة في المحاكمة الحالية تنازلًا عن الحقوق المدنية.
لكن ممارسة هذه الحقوق تتطلب آليات واضحة، ومساعدة قانونية، وقواعد تمنع إعادة إيذاء الضحايا، وإتاحة المعلومات الضرورية لإثبات صلتهم بالوقائع.
التاسع والعشرون: الحجز على الأموال
ثبتت المحكمة الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة، وحولته إلى حجز تنفيذي.
ويهدف الحجز التنفيذي إلى ضمان تنفيذ الغرامات والتعويضات والالتزامات التي قررها الحكم.
غير أن التنفيذ يجب أن يقتصر على الأموال المملوكة للمحكوم عليه فعلًا، مع حماية حقوق الشركاء والزوجة والأولاد والدائنين حسني النية.
الثلاثون: مصادرة الأموال
قررت المحكمة مصادرة أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة لصالح الخزانة العامة، بعد تنفيذ الالتزامات المدنية.
يمثل تقديم التعويضات المدنية على المصادرة لصالح الدولة جانبًا إيجابيًا من حيث أولوية حقوق الضحايا.
لكن المصادرة الشاملة تحتاج إلى أساس قانوني وتسبيب يبين:
- الأموال المشمولة بها.
- صلة كل مال بالجريمة.
- الأموال التي كانت مملوكة قبل وقوع الأفعال.
- حقوق الغير.
- آلية الاعتراض على التنفيذ.
- كيفية تقديم التعويضات على حق الخزانة.
الحادي والثلاثون: حقوق الجهات الرسمية
احتفظت المحكمة بحق الجهات الرسمية في المطالبة بالتعويض عما لحق بالمال العام والمرافق العامة من أضرار.
ولم تحدد هذه الأضرار أو الجهات المتضررة ضمن المنطوق. لذلك يتعين على أي جهة تطالب لاحقًا أن تثبت الضرر وقيمته والرابطة بينه وبين الأفعال التي أدين بها المحكوم عليه.
الثاني والثلاثون: ملاحقة بقية المسؤولين
احتفظت المحكمة بحق النيابة العامة في تعقب بقية المسؤولين والمساهمين والشركاء الذين لم تشملهم الدعوى الحالية، وفتح ملفات بحقهم عند توافر الأدلة.
يتفق ذلك مع مبدأ المسؤولية الفردية وعدم حصر الملاحقة بشخص واحد إذا كشفت الأدلة عن مساهمين آخرين.
لكن لا يجوز استخدام ما ورد في الحكم لإدانة أشخاص لم يكونوا أطرافًا في الدعوى من دون تحقيق ومحاكمة مستقلة تكفل لهم حقوق الدفاع.
الثالث والثلاثون: استمرار حماية الشهود
قررت المحكمة استمرار تدابير حماية الشهود بعد صدور الحكم.
كما أمرت بحفظ الهويات الحقيقية للشهود المشمولين بالحماية في ملف سري مغلق لدى ديوان المحكمة، وعدم الاطلاع عليه إلا بقرار قضائي معلل.
وحظرت نشر أو تداول أي معلومات تكشف هوية شاهد محمي أو مكان إقامته، تحت طائلة المسؤولية القانونية.
تمثل هذه التدابير جانبًا إيجابيًا بالنظر إلى احتمال تعرض الشهود للضغط أو الانتقام بعد الحكم.
الرابع والثلاثون: التوازن بين الحماية وحق الدفاع
يجب ألا تمنع سرية هويات الشهود محكمة النقض من مراجعة الأدلة، أو تحول دون تمكين الدفاع من معرفة المعلومات اللازمة للطعن في صدقية الشهادة.
ويمكن تحقيق التوازن من خلال السماح للدفاع ومحكمة النقض بالاطلاع المقيد، مع حظر النسخ أو النشر، واستخدام أسماء رمزية في النسخ المتاحة للجمهور.
أما إذا اعتمدت الإدانة بصورة حاسمة على شاهد ظلت هويته ومصدر معرفته محجوبين بالكامل عن الدفاع، فقد تثار مشكلة تتعلق بحق مناقشة شهود الإثبات.
الخامس والثلاثون: الرسوم والنفقات
ألزمت المحكمة المحكوم عليه بالرسوم والنفقات القضائية.
واعتبرت القرار وجاهيًا بحق النيابة العامة والجهة المدعية والمتهم، وبمثابة الوجاهي بحق المدعين الغائبين.
السادس والثلاثون: قابلية الحكم للطعن
أعلنت المحكمة أن الحكم قابل للطعن أمام محكمة النقض.
ويعني ذلك أن الحكم لم يصبح قطعيًا بمجرد النطق به، وأن وصف أحمد حسون في هذه المرحلة يجب أن يراعي استمرار حقه في مراجعة الإدانة والعقوبة.
ويحق للدفاع أن يثير أمام محكمة النقض مسائل تشمل:
- سلامة تشكيل المحكمة.
- كفاية الوقت الممنوح للدفاع.
- قبول التسجيلات.
- سلامة الخبرة الفنية.
- مناقشة الشهود.
- تعديل الوصف القانوني.
- توافر عناصر التحريض.
- ثبوت التدخل في القتل.
- العلاقة السببية.
- تطبيق الأوصاف الدولية.
- مبدأ عدم الرجعية.
- الحرمان من العفو والإفراج المشروط.
- المصادرة الشاملة.
- تسبيب التعويضات.
السابع والثلاثون: عدم الاستجابة لطلب الإعدام
كانت النيابة قد طلبت في الجلسة الخامسة الحكم بأقصى العقوبات، وحددتها بالإعدام.
لم تأخذ المحكمة بهذا الطلب، وانتهت إلى السجن المؤبد بوصفه العقوبة الأشد.
يعد عدم فرض الإعدام جانبًا مهمًا، خصوصًا في قضية تقوم على صور غير مباشرة من المسؤولية، مثل الخطاب والدعم المعنوي والمساعدة.
لكن السجن المؤبد يظل عقوبة شديدة، ويجب أن يخضع لرقابة فعالة، ولا سيما مع قرار المحكمة منع الإفراج المشروط مسبقًا.
الثامن والثلاثون: نقاط القوة في الحكم
يمكن تسجيل الجوانب الإيجابية الآتية:
- إصدار الحكم بحضور المتهم.
- عدم الاستجابة لطلب الإعدام.
- عرض الوقائع التي اعتبرتها المحكمة ثابتة.
- تحديد العقوبة عن كل وصف جرمي.
- الفصل النسبي بين جرائم الخطاب واستغلال الوظيفة.
- تقديم التعويضات المدنية على المصادرة.
- حفظ حقوق المتضررين الذين لم يدعوا شخصيًا.
- استمرار حماية الشهود.
- حفظ حق النيابة في ملاحقة مساهمين آخرين.
- إعلان قابلية الحكم للطعن بالنقض.
التاسع والثلاثون: أوجه القلق الحقوقي
رغم ذلك، يثير الحكم مسائل جوهرية:
- غياب عرض تفصيلي لنتيجة الخبرة الفنية.
- عدم تحديد التسجيل الذي أثبت كل جريمة.
- عدم بيان الجريمة الأصلية بدقة في إدانة التدخل في القتل.
- الاعتماد على التزامن الزمني في الربط بين الخطاب ووقائع القتل.
- اتساع مفهوم الدعم المعنوي.
- عدم توضيح عناصر مساهمة المتهم في جرائم لواء القدس.
- استخدام أوصاف الجرائم الدولية مع نصوص العقوبات الوطنية.
- احتمال تطبيق آثار قانونية لاحقة على أفعال سابقة.
- تعديل وصف إساءة استعمال الوظيفة من دون وضوح بشأن إخطار الدفاع.
- الحرمان الشامل من العفو والإفراج المشروط.
- المصادرة العامة لجميع الأموال.
- عدم إتاحة جدول التعويضات.
- قصر مدة المحاكمة بالنظر إلى تعقيد الملف.
- عدم وضوح ما إذا قبلت مذكرة الدفاع الختامية بعد طلب المهلة.
التقييم الحقوقي العام
تمثل محاكمة أحمد بدر الدين حسون تجربة قضائية مهمة في مساءلة أصحاب الخطاب الديني الرسمي عن مساهمتهم في العنف الجماعي.
وتؤكد القضية أن المسؤولية الجنائية لا تقتصر على من ينفذ الجريمة بيده، بل قد تشمل من يحرض أو يساعد أو يشجع أو يقدم دعمًا ماديًا مؤثرًا مع علمه بالجريمة.
لكن خطورة هذا المبدأ تكمن في احتمال توسيعه ليشمل كل موقف سياسي أو ديني مؤيد لطرف في النزاع. لذلك يجب أن تكون حدود المساعدة والتحريض محددة بدقة، وأن تثبت الصلة بين الخطاب والجريمة على نحو فردي.
أظهر الحكم محاولة للربط بين موقع المتهم وخطاباته ودعمه المالي والسياق العام للانتهاكات. ومع ذلك، تبقى الحاجة قائمة إلى حكم خطي مفصل يبين الدليل على كل عنصر ويرد على دفوع الدفاع.
التوصيات
ينبغي تزويد المتهم ومحاميه بنسخة كاملة من الحكم وأسبابه وجدول التعويضات، ومنحهما الوقت الكافي لإعداد الطعن.
كما ينبغي نشر نسخة منقحة من الحكم تحجب أسماء الشهود المحميين، مع الإبقاء على تحليل الأدلة والدفوع والأساس القانوني.
ويجب أن تبحث محكمة النقض بصورة خاصة في:
- العلاقة بين التصريحات وجرائم القتل.
- عناصر التدخل والمساعدة المعنوية.
- أثر الدعم المالي المقدم إلى لواء القدس.
- سلامة التسجيلات والخبرة الفنية.
- إخطار الدفاع بتعديل الوصف.
- استخدام الجرائم الدولية.
- مبدأ الشرعية وعدم الرجعية.
- قانونية الحرمان من العفو والإفراج المشروط.
- نطاق المصادرة وحماية حقوق الغير.
- مدى منح الدفاع وقتًا كافيًا لمذكرته الختامية.
كما ينبغي إنشاء آلية واضحة لتنفيذ التعويضات، وحصر الأموال المملوكة للمحكوم عليه، وتقديم حقوق الضحايا على المصادرة العامة.
الخلاصة
اختتمت الجلسة السادسة المرحلة الابتدائية من محاكمة أحمد بدر الدين حسون بحكم وجاهي يقضي بالسجن المؤبد بعد دغم العقوبات.
أدانته المحكمة بإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والتحريض على القتل قصدًا، والتدخل في القتل، وإساءة استعمال الوظيفة، وإثارة النعرات المذهبية والعنصرية.
كما حكمت عليه بالسجن عشرين سنة عن التحريض، وعشر سنوات عن التدخل في القتل، وثلاث سنوات وغرامة مقدارها 195 ألف دولار عن إساءة استعمال الوظيفة، وستة أشهر وغرامة ألف ليرة عن إثارة النعرات، قبل دغم العقوبات وتنفيذ السجن المؤبد.
وقررت المحكمة تعويض المدعين، وحفظ حقوق بقية المتضررين، وتحويل الحجز على الأموال إلى حجز تنفيذي، ثم مصادرتها بعد الوفاء بالالتزامات المدنية، مع استمرار حماية الشهود. لم يصبح الحكم قطعيًا، لأنه قابل للطعن أمام محكمة النقض. وستعتمد القيمة الحقوقية النهائية للمحاكمة على مدى تفصيل الحكم الخطي، وفعالية مراجعة النقض، ودقة إثبات الصلة بين الخطاب والجرائم، واحترام مبدأ الشرعية والمسؤولية الجنائية الفردية.