تقرير المراقبة الحقوقية للجلسة الأولى من محاكمة “عبد الناصر براقي”

المنعقدة بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2026 – قصر العدل في دمشق – محكمة الجنايات الرابعة

مؤسسة حَقّي

أولًا: مقدمة

انعقدت الجلسة الأولى لمحاكمة عبد الناصر براقي أمام محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2026، بعد إحالة الدعوى إليها من محكمة الجنايات الأولى بسبب ارتباط الوقائع المنسوبة إلى المتهم بانتهاكات جسيمة تدخل ضمن الاختصاص الذي تنظر فيه المحكمة.

ومثلت هذه الجلسة البداية الفعلية للمحاكمة أمام المحكمة المتخصصة، بعد انتقال الملف من مرحلة الإحالة إلى مرحلة المواجهة القضائية العلنية وسماع أطراف الدعوى.

ثانياً: المحكمة والحضور

انعقدت الجلسة في قصر العدل بدمشق بصورة علنية، وحضر عبد الناصر براقي شخصياً أمام هيئة المحكمة.

ثالثاً: موضوع الدعوى عند بدء المحاكمة

تركز ملف الدعوى على اتهام عبد الناصر براقي بالإخبار عن مواطنين وكتابة تقارير بحقهم، مع الادعاء بأن تلك الأفعال ترتب عليها اعتقال أشخاص وإخفاؤهم وبقاء مصير عدد منهم مجهولاً. وظهرت في مسار القضية أيضاً اتهامات بالافتراء الجنائي المفضي إلى موت أكثر من شخص والتدخل بالسلب بالعنف، وفي هذه المرحلة يجب التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها اتهامات محل نظر قضائي، وليست حقائق نهائية ثبتت بمجرد بدء المحاكمة.

رابعاً: سماع المدعين الشخصيين

استمعت المحكمة في الجلسة الأولى إلى المدعين الشخصيين في القضية. وكان لهذا الإجراء أهمية في تمكين الأشخاص الذين يقولون إنهم تضرروا من الأفعال المنسوبة إلى المتهم، أو ذويهم، من عرض مطالبهم أمام المحكمة، غير أن عدم نشر نصوص إفاداتهم أو عددهم أو طبيعة معرفة كل منهم بالوقائع يحد من إمكانية تقييم القوة الإثباتية لكل إفادة على حدة.

خامساً: سماع شهود الحق العام

كما استمعت المحكمة إلى شهود الحق العام، وتكتسب هذه الشهادات أهمية محتملة في إثبات الوقائع، إلا أن تقييمها يتطلب التمييز بين الشاهد الذي عاين الواقعة مباشرة، وبين من ينقل معلومات عن آخرين، وبين من يستند إلى وثائق أو معرفة وظيفية، ويقرر المنهج المعتمد في التقرير المرجعي أن وزن الشهادة المباشرة يختلف عن وزن المعلومات المنقولة، وأن مجرد تعدد الروايات لا يحسم صحة الواقعة.

سادساً: موقف المتهم

أنكر عبد الناصر براقي التهم المسندة إليه خلال الجلسة الأولى، ويعد هذا الإنكار موقفاً دفاعياً يجب أن يبقى قائماً في التقييم إلى أن تفصل المحكمة في الأدلة، ولا يجوز تفسير جسامة الاتهامات على أنها بذاتها دليل على المسؤولية.

سابعاً: مطالبة النيابة العامة

قدمت النيابة العامة مطالباتها أمام المحكمة خلال الجلسة، لكن النص الكامل لمطالبتها، والأساس القانوني التفصيلي لكل وصف جرمي، والأدلة التي استندت إليها في هذه المرحلة لم تتوافر كاملة بصورة علنية.

ثامناً: الإشكالية المركزية في الإثبات

تتمثل المسألة الجوهرية في هذه القضية في الانتقال من إثبات فعل الإخبار أو كتابة التقرير إلى إثبات المسؤولية عن النتائج اللاحقة، فوجود تقرير ـ إذا ثبت ـ لا يحسم وحده مسؤولية محرره عن الاعتقال أو التعذيب أو الموت. ويجب إثبات محتوى التقرير، والجهة التي تلقته، وعلاقته بتوقيف الشخص، وعلم المتهم أو قصده، ومدى مساهمته القانونية في النتيجة التي يراد تحميله مسؤوليتها.

تاسعاً: علنية المحاكمة

انعقاد الجلسة بصورة علنية يمثل ضمانة إيجابية. فالعلنية تمكن المجتمع والضحايا والمراقبين من متابعة عمل القضاء، وهي بحسب تفسير لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة ضمانة أساسية لشفافية الإجراءات.

عاشراً: قرينة البراءة

لم يصدر في هذه الجلسة حكم بحق المتهم، واستمرت المحكمة في سماع الأدلة والأطراف، ولهذا بقي عبد الناصر براقي متمتعاً بقرينة البراءة، مع بقاء عبء إثبات الجرائم على جهة الاتهام. وقرينة البراءة تقتضي عدم افتراض الذنب قبل إثباته قضائياً.

الحادي عشر: قرار المحكمة

قررت المحكمة في ختام الجلسة تأجيل النظر في الدعوى لاستكمال الإجراءات، وحددت الجلسة التالية في 22 حزيران/يونيو بحسب التسلسل المعلن عند ختام الجلسة الأولى، ويلاحظ أن بعض التغطيات اللاحقة أشارت إلى 23 حزيران بوصفه تاريخ الجلسة الثانية، بينما تظهر تغطيات أخرى وبيان 22 حزيران أن الجلسة استمرت يوم الاثنين 22 حزيران. ولذلك يعتمد التقرير 22 حزيران مع تسجيل هذا الاختلاف في التوثيق المنشور.

الثاني عشر: الملاحظات الإيجابية

سجلت الجلسة الأولى مجموعة من المؤشرات الإيجابية: حضور المتهم شخصياً، علنية المحاكمة، سماع المدعين الشخصيين وشهود الحق العام، تمكين المتهم من إنكار الاتهامات، وعدم استعجال إصدار حكم قبل استكمال مراحل الإثبات، وهذه العناصر تتفق مع التقييم الأولي الوارد في المقترح الحقوقي المرفق.

الثالث عشر: المسائل المثيرة للقلق

بقيت معلومات جوهرية غير متاحة بصورة كافية، من بينها العدد الدقيق للشهود، مضمون شهاداتهم، مدى مناقشة الدفاع لهم، قائمة الأدلة المادية، النص الكامل للاتهام، ومدى إطلاع الدفاع على ملف الدعوى، ولا يعني عدم نشر هذه التفاصيل أنها لم تكن موجودة قضائياً، لكنه يحد من قدرة المراقب المستقل على تقييم فعالية الدفاع وسلامة الإثبات.

الرابع عشر: التقييم الحقوقي العام

أظهرت الجلسة الأولى بداية إجرائية تتضمن عدداً من الضمانات الأساسية، ولم يظهر منها وحدها ما يسمح بالقول بوجود إخلال جوهري بحقوق المتهم، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بإصدار حكم شامل على عدالة المحاكمة؛ لأن أكثر المسائل أهمية ــ طبيعة الأدلة، وكيفية مناقشة الشهود، ووصول الدفاع إلى الملف ــ بقيت غير متاحة علناً.

الخامس عشر: التوصيات

يوصى بتوثيق أسماء وصفات الشهود دون المساس بحمايتهم، وإتاحة ملخص منقح لكل شهادة، ونشر التكييف القانوني للاتهامات بصورة أكثر تفصيلاً، وضمان حصول الدفاع على المواد التي يستند إليها الاتهام، مع الفصل بين إثبات فعل الإخبار وبين إثبات مسؤوليته عن النتائج اللاحقة.

إعداد وتقديم الخبير القانوني المعتصم الكيلاني