تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الثامنة من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”

المنعقدة بتاريخ 4 آب/أغسطس 2026                        في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة

مؤسسة حَقّي

انعقدت بتاريخ 4 آب/أغسطس 2026 الجلسة الثامنة من محاكمة عاطف نجيب وعدد من المتهمين الغائبين، أمام محكمة الجنايات الرابعة في القصر العدلي بدمشق، ضمن القضية المتعلقة بالانتهاكات التي شهدتها محافظة درعا خلال المرحلة الأولى من عام 2011.

وشكلت هذه الجلسة انتقالًا حاسمًا في مسار الدعوى؛ فبعد أن أمضت المحكمة عدة جلسات في سماع شهود الحق العام، وفحص الأدلة، ومواجهة المتهم بالإفادات المقدمة ضده، والاستماع في الجلسة السابقة إلى شاهد طلب الدفاع سماعه، انتقلت القضية في جلستها الثامنة إلى مرحلة المرافعات والمطالب النهائية للأطراف.

وبذلك لم تعد الوظيفة الأساسية للمحكمة في هذه المرحلة جمع أدلة جديدة بقدر ما أصبحت تتمثل في الاستماع إلى قراءة أطراف الدعوى لمجموع الأدلة التي جرى تقديمها منذ بدء المحاكمة، قبل إقفال باب المرافعة وحجز القضية للتدقيق وإصدار الحكم.

وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان، بحضور أعضاء الهيئة القضائية وممثل النيابة العامة، كما حضر أعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وممثلون عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.

الانتقال من مرحلة الإثبات إلى المرافعات الختامية

تختلف الجلسة الثامنة في طبيعتها عن الجلسات التي سبقتها.

فمنذ الجلسة الرابعة، تركز الجزء الأكبر من المحاكمة على تقديم شهادات تتعلق بالاعتقال والتعذيب وقتل المتظاهرين وأحداث المسجد العمري وغيرها من الوقائع التي شهدتها محافظة درعا.

كما أتيحت للدفاع في الجلسة السابعة فرصة تقديم شاهد من جانبه، قبل أن تعتبر المحكمة أن القضية أصبحت مهيأة للانتقال إلى مرحلة المطالبات والمرافعات.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية جوهرية؛ لأن وظيفة المرافعة النهائية ليست إعادة سرد ما ورد في الجلسات السابقة، وإنما تنظيم الأدلة وربطها بالقواعد القانونية التي يطلب كل طرف من المحكمة تطبيقها.

فالنيابة مطالبة ببيان الوقائع التي ترى أنها ثبتت، والأدلة التي تستند إليها في إسناد كل فعل إلى المتهمين، والتكييف القانوني الذي تطلب اعتماده.

وفي المقابل، يملك الدفاع حق مناقشة هذه الأدلة والطعن في كفايتها أو مشروعيتها أو دلالتها، وبيان أوجه التناقض أو الشك التي يرى أنها تحول دون الإدانة.

مطالبة النيابة العامة

قدمت النيابة العامة خلال الجلسة موقفها النهائي من القضية بعد انتهاء مرحلة الإثبات.

وتمسكت جهة الادعاء بمسؤولية عاطف نجيب عن الجرائم المنسوبة إليه، وطلبت من المحكمة إدانته وإنزال أشد العقوبات المقررة قانونًا بحقه.

وبلغت مطالبة النيابة حد طلب عقوبة الإعدام.

ويكتسب هذا الطلب أهمية استثنائية من منظور ضمانات المحاكمة العادلة، إذ إن المطالبة بعقوبة نهائية وغير قابلة للتراجع عن آثارها تجعل التدقيق في سلامة الإجراءات والأدلة وفعالية الدفاع أكثر ضرورة.

ولا تشكل مطالبة النيابة بالعقوبة حكمًا على المتهم، وإنما تمثل موقف جهة الاتهام في نهاية المحاكمة، بينما تبقى سلطة تقدير الأدلة وتحديد المسؤولية والعقوبة من اختصاص المحكمة.

ومن ثم ينبغي التمييز بين القول إن النيابة طلبت إعدام المتهم وبين القول إن مسؤوليته أصبحت ثابتة، إذ لم تكن المحكمة قد أصدرت حكمها عند انتهاء هذه الجلسة.

المرافعة المتعلقة ببقية المتهمين

لم تقتصر القضية على عاطف نجيب، بل شملت عددًا من المتهمين الآخرين الذين تجري محاكمتهم غيابيًا، وفي مقدمتهم بشار الأسد وماهر الأسد ومسؤولون سابقون آخرون.

وتفرض هذه البنية على جهة الاتهام عدم الاكتفاء بإثبات وجود منظومة أمنية أو سياسة عامة للقمع، وإنما بيان المسؤولية الفردية لكل شخص من الأشخاص المحالين إلى المحكمة.

فالمسؤولية الجنائية لا تنتقل تلقائيًا من رئيس جهاز إلى رئيس الدولة أو من عضو في لجنة أمنية إلى بقية أعضائها.

وإذا كانت النيابة تستند إلى إصدار الأوامر أو المشاركة في خطة مشتركة أو المسؤولية القيادية أو أي نمط آخر من أنماط المساهمة الجنائية، فيجب تحديد عناصر هذا النمط بالنسبة إلى كل متهم بصورة منفصلة.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى المتهمين الغائبين، لعدم وجودهم داخل قاعة المحكمة للرد شخصيًا على ما يقدم ضدهم.

المذكرات الخطية

لم تقتصر الجلسة على المرافعات الشفهية، بل تضمنت أيضًا تقديم مذكرات خطية إلى هيئة المحكمة.

وتشير المواد المنشورة عن الجلسة إلى تقديم مذكرة من جانب الجهة الممثلة للدولة، إلى جانب مذكرة دفاعية خطية قدمها وكيل عاطف نجيب.

وبحسب المعلومات المتاحة، جاءت مذكرة الدفاع في نحو اثنتي عشرة صفحة.

وتكتسب المذكرات الخطية أهمية عملية في قضية بهذا الحجم؛ لأنها تتيح للأطراف عرض موقفهم بصورة أكثر تنظيمًا من المرافعة الشفهية، وتسمح للمحكمة بالعودة إلى الحجج المتعلقة بالأدلة والتكييف القانوني أثناء المداولة.

إلا أن النص الكامل لهذه المذكرات لم يكن متاحًا في المواد المفتوحة التي أمكن التحقق منها بصورة تسمح بإعادة بناء الحجج الواردة فيها بندًا بندًا.

ولهذا لا ينسب هذا التقرير إلى الدفاع أو الجهة الممثلة للدولة دفوعًا تفصيلية لم تنشر نصوصها.

موقف الدفاع

مثل تقديم مذكرة خطية للدفاع إحدى أهم مراحل ممارسة عاطف نجيب لحقه في الرد على القضية المقامة ضده.

فبعد سلسلة طويلة من شهادات الإثبات، أصبح على الدفاع في هذه المرحلة أن يقدم للمحكمة تقييمًا متكاملًا لمجموع الأدلة، بدل الاكتفاء بإنكار كل شهادة بصورة منفردة.

ويشمل ذلك، من حيث المبدأ، مناقشة مدى كفاية الشهادات المباشرة، والمعلومات السماعية، والأدلة الوثائقية والمرئية، وطبيعة الصلة بين المتهم وبين العناصر الأمنية التي نسبت إليها بعض الأفعال.

كما يفترض أن تكون المرافعة الدفاعية فرصة لمعالجة التناقضات المحتملة بين أقوال الشهود، ومناقشة توزيع الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية المختلفة، وتحديد ما إذا كانت الأدلة تثبت فعلًا شخصيًا أو أمرًا مباشرًا أو شكلًا آخر من أشكال المسؤولية.

غير أن عدم نشر المذكرة الدفاعية كاملة يجعل من غير المنهجي افتراض أن الدفاع تناول جميع هذه المسائل بالفعل.

والمؤكد فقط أن الدفاع قدم مذكرة خطية إلى المحكمة ضمن ممارسته لحقه في تقديم موقفه النهائي قبل الحكم.

الأقوال الأخيرة لعاطف نجيب

بعد انتهاء المرافعات وتقديم المذكرات، منحت المحكمة عاطف نجيب فرصة لتقديم أقواله الأخيرة.

وطلب المتهم من المحكمة التعامل معه وفق مقتضيات العدالة والإنصاف.

وتكتسب الكلمة الأخيرة للمتهم قيمة إجرائية مستقلة، لأنها تمثل آخر فرصة له لمخاطبة هيئة المحكمة بصورة مباشرة بعد انتهاء النيابة والدفاع من تقديم مواقفهما.

ولا يجوز تفسير مضمون هذه الكلمة، سواء تضمنت استمرار الإنكار أو طلب الرأفة أو التمسك بالبراءة، باعتباره دليلًا مستقلًا على المسؤولية.

فالنتيجة القضائية ينبغي أن تقوم على الأدلة التي جرى تقديمها وفحصها خلال المحاكمة، لا على الانطباع الذي تتركه الكلمات الأخيرة للمتهم.

إقفال باب المرافعة

بعد الانتهاء من مطالبات الأطراف والمذكرات والأقوال الأخيرة للمتهم، اعتبرت المحكمة أن القضية أصبحت مهيأة للانتقال إلى مرحلة التدقيق وإصدار الحكم.

وقررت رفع الجلسة وتحديد يوم 11 آب/أغسطس 2026 موعدًا للجلسة التالية المخصصة للتدقيق والنطق بالحكم.

ويمثل هذا القرار عمليًا انتهاء مرحلة المحاكمة الموضوعية التي بدأت في 26 نيسان/أبريل، وانتقال الملف إلى مرحلة المداولة القضائية.

ومن هذه اللحظة، أصبحت مسؤولية هيئة المحكمة تتمثل في فحص مجموع ما قدم أمامها من شهادات ووثائق ومذكرات ودفوع، وتحديد الوقائع التي تعتبرها ثابتة والأدلة التي تعتمد عليها والأساس القانوني للمسؤولية والعقوبة.

التقييم الحقوقي والقانوني

تمثل الجلسة الثامنة واحدة من أهم مراحل المحاكمة من منظور ضمانات العدالة؛ لأنها اللحظة التي انتهى فيها تقديم القضية من الأطراف وأصبحت المحكمة أمام مهمة إصدار حكم قد تكون له آثار بالغة الخطورة على المتهمين وعلى مسار العدالة الانتقالية في سوريا بصورة أوسع.

طلب عقوبة الإعدام

تشكل مطالبة النيابة العامة بعقوبة الإعدام أبرز مسألة حقوقية ظهرت خلال الجلسة.

ولا يقلل حجم الانتهاكات المنسوبة إلى المتهمين أو خطورتها من الإشكال الحقوقي المرتبط بهذه العقوبة.

فعقوبة الإعدام تختلف عن بقية العقوبات في كون نتائجها غير قابلة للإصلاح إذا ظهر لاحقًا خطأ قضائي أو خلل في الإجراءات أو تقييم الأدلة.

ولهذا تتجه معايير حقوق الإنسان الدولية بصورة متزايدة نحو إلغاء العقوبة أو فرض وقف على تنفيذها.

وفي سياق العدالة الانتقالية السورية، توجد أيضًا مسألة أوسع تتعلق بالرسالة التي يراد للنظام القضائي الجديد أن يقدمها.

فالمساءلة عن التعذيب والقتل والانتهاكات الجسيمة لا تستلزم بالضرورة إعادة إنتاج عقوبة تقوم على سلب الحياة، ويمكن للعقوبات السالبة للحرية أن تحقق غاية المساءلة دون اللجوء إلى الإعدام.

ارتفاع معيار الضمانات في القضايا التي تطلب فيها عقوبة الإعدام

بمجرد مطالبة الادعاء بالإعدام، تصبح مسألة جودة الإجراءات أكثر حساسية.

فأي قصور في حق الدفاع، أو مناقشة الشهود، أو الوقت المخصص لإعداد المرافعة، أو وضوح القانون المطبق، أو استقلال المحكمة، يكتسب وزنًا أكبر عندما تكون النتيجة المحتملة غير قابلة للتراجع.

وقد شهدت المراحل السابقة من المحاكمة ملاحظات حقوقية تستحق أن تنظر إليها المحكمة بجدية، ومنها سرعة سماع عدد كبير من الشهود في بعض الجلسات، واستمرار إغلاق جلسات الإثبات، ومحدودية المعلومات المتاحة عن طبيعة بعض الإفادات، والأسئلة المتعلقة بفعالية مناقشة الدفاع للشهود.

ولا يعني وجود هذه الملاحظات بالضرورة أن المحاكمة غير عادلة، لكنها تصبح عناصر يتعين تقييمها بدقة قبل فرض عقوبة بهذه الخطورة.

الفترة بين المرافعات والحكم

حددت المحكمة أسبوعًا واحدًا تقريبًا بين انتهاء المرافعات في 4 آب والنطق بالحكم المقرر في 11 آب.

ولا توجد مدة زمنية واحدة يمكن اعتبارها كافية أو غير كافية بصورة مجردة.

لكن القضية تضم عددًا كبيرًا من الشهادات والوثائق، وعدة متهمين، ووقائع متعددة، ومسائل قانونية معقدة تتعلق بالمسؤولية المباشرة والقيادية والمحاكمة الغيابية والتكييف القانوني للأفعال.

ومن ثم فإن المعيار الحقيقي ليس عدد الأيام، وإنما ما إذا كانت هيئة المحكمة قد أجرت بالفعل تقييمًا فرديًا ومفصلًا للأدلة المتعلقة بكل واقعة وكل متهم. وينبغي أن يظهر ذلك في تسبيب الحكم.

أهمية الحكم المعلل

في قضية ذات أهمية تاريخية كهذه، لا يكفي أن تعلن المحكمة أن المتهم مذنب أو بريء.

بل ينبغي أن يكون الحكم قادرًا على الإجابة عن أسئلة أساسية: ما الوقائع التي اعتبرتها المحكمة ثابتة؟ ما الأدلة التي اعتمدتها؟ كيف تعاملت مع تناقضات الشهود؟ لماذا قبلت شهادة معينة ورفضت أخرى؟ وما الذي يربط كل جريمة بكل متهم؟

كما ينبغي أن يوضح الحكم موقف المحكمة من دفاع عاطف نجيب، ومن الشاهد الذي استدعاه الدفاع في الجلسة السابعة، ومن المذكرة النهائية التي قدمها محاميه.

فعدم معالجة أدلة الدفاع بصورة ظاهرة في أسباب الحكم يمكن أن يثير تساؤلًا بشأن ما إذا كانت المحكمة قد فحصتها فعليًا على قدم المساواة مع أدلة الاتهام.

التمييز بين المسؤولية المباشرة والقيادية

يجب أن يشكل تحديد نمط المسؤولية أحد المحاور الرئيسية للحكم.

فإذا وجدت المحكمة أن عاطف نجيب مسؤول عن فعل ارتكبه شخصيًا، يجب تحديد الفعل والدليل.

وإذا اعتبرته مسؤولًا عن إصدار أوامر، فيجب بيان طبيعة الأمر وكيف ثبت صدوره وعلاقته بالجريمة.

أما إذا استندت إلى موقعه القيادي، فلا يكفي القول إنه كان رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، بل يجب بيان نطاق سلطته الفعلية على مرتكبي الجريمة والأساس القانوني الذي يسمح بمساءلته عن أفعالهم.

وتنطبق المتطلبات نفسها على بشار الأسد وماهر الأسد وبقية المتهمين الغائبين.

خطورة المسؤولية الجماعية

تثير القضية خطرًا يجب تجنبه بصورة واضحة، وهو الانتقال من إثبات وجود منظومة قمع إلى افتراض المسؤولية الجنائية لجميع من شغلوا مواقع قيادية فيها.

يمكن للمحكمة أن تجد، استنادًا إلى الأدلة، أن الانتهاكات كانت منظمة أو واسعة النطاق أو ناتجة عن سياسة أمنية.

لكن هذه النتيجة لا تلغي مبدأ شخصية المسؤولية الجنائية.

ويتعين تحديد مساهمة كل متهم في النظام أو الخطة أو الجريمة، وعدم إدانة شخص لمجرد موقعه الوظيفي أو قرابته السياسية أو ارتباطه بالمؤسسة الأمنية.

المحاكمة الغيابية

تتضاعف أهمية التسبيب بالنسبة إلى المتهمين الغائبين.

فعدم حضور بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما لا يخفض معيار الإثبات المطلوب لإدانتهم.

كما ينبغي أن يوضح الحكم الضمانات المتاحة لهم بموجب القانون إذا أصبحوا لاحقًا في قبضة السلطات السورية، بما في ذلك الحق في الاعتراض أو إعادة المحاكمة إذا كان النظام القانوني المطبق يقرر ذلك.

ويجب كذلك التحقق من أن الإجراءات المتعلقة بالتبليغ والتمثيل القانوني والمحاكمة الغيابية قد استوفت المتطلبات القانونية اللازمة.

التكييف القانوني ومبدأ الشرعية

تصل مسألة التكييف القانوني في هذه المرحلة إلى ذروتها.

فقد تضمنت القضية منذ بدايتها إشارات إلى القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وغيرها من الانتهاكات، إلى جانب توصيفات مرتبطة بالجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

لكن الحكم الجنائي يجب أن يحدد النصوص القانونية التي تطبق على الأفعال.

وإذا اعتمدت المحكمة توصيف الجرائم ضد الإنسانية، ينبغي أن تبين الأساس القانوني لهذا التوصيف والعناصر السياقية للهجوم الواسع النطاق أو المنهجي الموجه ضد السكان المدنيين.

أما وصف جرائم الحرب فيحتاج إلى إثبات وجود نزاع مسلح في التاريخ الذي ارتكبت فيه الأفعال المعنية، وإثبات الصلة بين الفعل والنزاع.

وتزداد حساسية هذه النقطة بالنسبة إلى أحداث درعا في الأشهر الأولى من عام 2011.

كما ينبغي أن يراعي الحكم مبدأ عدم رجعية النصوص الجنائية وعدم تطبيق تجريم أو عقوبة لم تكن قائمة أو قابلة للتوقع قانونًا وقت ارتكاب الفعل.

استقلال المحكمة عن الخطاب السياسي

مع وصول القضية إلى الحكم، تصبح حماية استقلال هيئة المحكمة عن الخطاب السياسي والإعلامي ضرورة قصوى.

فالاهتمام الشعبي الكبير بالقضية ومكانة عاطف نجيب في ذاكرة أحداث درعا والضغط من أجل محاسبة رموز النظام السابق عوامل مفهومة في سياق العدالة الانتقالية.

لكن المحكمة ليست مؤسسة لإقرار الذاكرة العامة أو الاستجابة لمطالب الانتقام.

وظيفتها تحديد المسؤولية الجنائية استنادًا إلى الأدلة والقانون.

ومن ثم يجب ألا يكون الحكم وسيلة لإرضاء توقعات سياسية أو اجتماعية، وإنما نتيجة لتحليل قضائي مستقل يمكن الدفاع عنه قانونيًا.

التوصيات

يوصى بأن يتضمن الحكم المنتظر تحليلًا مفصلًا لكل تهمة ولكل متهم، مع تحديد الأدلة التي استندت إليها المحكمة بصورة منفصلة.

كما ينبغي بيان كيفية تقييم شهادات شهود الحق العام، والتمييز بين المشاهدة المباشرة والمعلومات المنقولة والقرائن والاستنتاجات الشخصية.

وينبغي للمحكمة معالجة أدلة الدفاع صراحة، بما فيها الشهادة التي قدمت بطلب الدفاع والمذكرة الخطية النهائية، وبيان أسباب قبول أو رفض ما ورد فيها.

كما يوصى بعدم استخلاص المسؤولية الجنائية من المنصب الأمني أو السياسي وحده، وإنما تحديد نمط المسؤولية والعناصر التي تثبته بالنسبة إلى كل شخص.

ويتعين التعامل بصورة مستقلة مع المتهمين الغائبين، وعدم اعتبار الأدلة المقدمة ضد عاطف نجيب دليلًا تلقائيًا على مسؤولية بشار الأسد أو ماهر الأسد أو غيرهما.

كما ينبغي أن يوضح الحكم الأساس القانوني الدقيق لأي توصيف يتعلق بالجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب، مع احترام مبدأ الشرعية وعدم رجعية القانون الجنائي.

وفي ضوء مطالبة النيابة بعقوبة الإعدام، يوصى المحكمة بعدم فرض هذه العقوبة، والاستعاضة عنها، عند ثبوت المسؤولية، بعقوبات تتفق مع هدف المساءلة وتحفظ الحق في الحياة.

وفي حال صدور حكم بالإعدام، يجب ضمان جميع طرق الطعن والمراجعة القضائية المتاحة وعدم تنفيذ العقوبة قبل استنفادها بالكامل.

كما ينبغي نشر الحكم كاملًا أو نسخة منقحة منه تتيح للضحايا والجمهور والمراقبين معرفة الوقائع والأدلة والأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة.

ويستحسن أن تنشر كذلك المذكرات الختامية للأطراف، أو على الأقل ملخصات دقيقة لها، مع حجب البيانات التي يمكن أن تعرض الشهود للخطر.

كما يوصى بأن تحافظ المؤسسات الرسمية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية على الفصل بين دورها في دعم عملية المساءلة وبين وظيفة القضاء في تحديد المسؤولية، وأن تتجنب أي تصريحات يمكن تفسيرها باعتبارها استباقًا للحكم.

وفي المحصلة، تمثل الجلسة الثامنة نهاية المرحلة الموضوعية من واحدة من أبرز المحاكمات المرتبطة بانتهاكات النظام السوري السابق.

وقد انتقلت القضية خلالها من سؤال ما الأدلة الموجودة؟ إلى السؤال الأكثر أهمية قضائيًا: ماذا تثبت هذه الأدلة، وعلى من تثبت المسؤولية، وبأي أساس قانوني؟

وهو انتقال بالغ الأهمية.

فالاعتراف بمعاناة ضحايا درعا وتوثيق الانتهاكات التي تعرضوا لها يمثلان جزءًا أساسيًا من مسار العدالة، لكن المحكمة الجنائية مطالبة بأكثر من إثبات أن انتهاكات جسيمة وقعت.

عليها تحديد المسؤول عنها بصورة فردية، وشرح الطريق الإثباتي والقانوني الذي أوصلها إلى تلك النتيجة.

كما أن مطالبة النيابة بعقوبة الإعدام تضع المحاكمة أمام اختبار حقوقي إضافي. فالمساءلة عن جرائم النظام السابق ينبغي ألا تكون مجرد انعكاس معكوس لأدوات العقاب التي استخدمتها الدولة في الماضي، وإنما فرصة لبناء نموذج قضائي يقوم على احترام الإنسان حتى عند محاكمة من تتهمهم الدولة بارتكاب أشد الجرائم خطورة.

وسيكون الحكم المنتظر في 11 آب/أغسطس هو الاختبار الأهم لهذا المسار: ليس فقط بسبب العقوبة التي ستقررها المحكمة، وإنما بسبب نوع العدالة التي سيعكسها الحكم وطريقة تسبيبه ومعالجته للأدلة وحقوق الضحايا والمتهمين معًا.

إعداد وتقديم الخبير القانوني المعتصم الكيلاني