تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الثالثة من المحاكمة العلنية للمتهم “وسيم بديع الأسد”
المنعقدة بتاريخ 22 تموز/يوليو 2026 في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
افتتاح الجلسة
قبيل الساعة الحادية عشرة صباحًا، أُدخل وسيم الأسد إلى قاعة محكمة الجنايات الرابعة، ثم دخلت الهيئة القضائية وافتتحت الجلسة. ترأس المحكمة القاضي فخر الدين العريان، وشارك في عضويتها المستشاران عبد الحميد محمد الحمود وحسام حسين عبد الرحمن، بحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي.
مثل المتهم شخصيًا، يرافقه محامٍ مسخّر من فرع دمشق لنقابة المحامين. كما حضرت جهة الادعاء، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية بحسب المعلومات التي نُشرت عن الجلسة.
بدت هذه الجلسة مختلفة عن سابقتها؛ فبعد أن خُصصت الجلسة الثانية لسماع عدد كبير من المدعين والشهود، انتقلت المحكمة في الجلسة الثالثة إلى مرحلة المطالبات والمرافعات، مع استكمال ما بقي من إجراءات الإثبات وسماع شهود الحق العام وفق الرواية الرسمية.
موقع الجلسة في مسار الدعوى
كانت المحكمة قد استمعت في الجلسة السابقة إلى شهادات تناولت وقائع ابتزاز وخطف واحتجاز وتعذيب واستيلاء على الأموال والممتلكات، إضافة إلى شهادة مدعٍ اتهم وسيم الأسد بإطلاق النار على ساقه.
لذلك دخلت الجلسة الثالثة وفي ملف الدعوى مجموعة متباينة من الأدلة: شهادات مباشرة، وأقوال تتعلق بأعمال أشخاص قيل إنهم من مجموعة المتهم، وصور لإصابات، ووثائق وتسجيلات مصورة. وكان على النيابة أن تربط هذه العناصر بالجرائم المحددة وبالدور الشخصي للمتهم، بدل الاكتفاء بإعادة سرد الاتهامات العامة.
مطالعة النيابة العامة
طلبت المحكمة من ممثل النيابة العامة تقديم مطالبته النهائية. ركزت المطالعة، وفق الملخصات المتاحة، على ثلاث مجموعات من الجرائم: القتل العمد، والاتجار بالمخدرات وترويجها، والأفعال الواقعة على سلامة الدولة والسلم الأهلي.
اعتبرت النيابة أن الشهادات والأدلة المعروضة خلال المحاكمة كافية لإثبات هذه الجرائم، وطلبت إنزال العقوبة الأشد بحق المتهم، أي الإعدام. وبذلك تحولت عقوبة الإعدام من نتيجة محتملة للاتهامات إلى طلب قضائي صريح تقدمت به النيابة أمام هيئة المحكمة. الجزيرة
وبحسب تقرير المراقبة، سألت المحكمة جهة الادعاء عما إذا كانت لديها إضافات جديدة، فتمسكت بمطالباتها وأقوالها السابقة. ولا توضح المواد المنشورة ما إذا تضمنت المطالعة تحليلًا تفصيليًا لكل دليل، أو تحديد المواد القانونية المنطبقة على كل واقعة، أو بيان عناصر المسؤولية الجنائية الفردية.
هذه الفجوة مهمة؛ لأن مطالبة النيابة بالإعدام لا ينبغي أن تُبنى على وصف إجمالي لملف الدعوى. بل يفترض أن تبين بصورة دقيقة الفعل المنسوب إلى المتهم، والدليل الذي يثبته، والقصد الجرمي، وعلاقة السببية، وأساس مسؤوليته عن الجرائم التي نفذها أشخاص آخرون.
طلب الإعدام والجرائم محل الاتهام
لم تكن الجرائم الواردة في مطالعة النيابة متساوية من حيث علاقتها بعقوبة الإعدام وفق المعايير الدولية. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يقصر تطبيق هذه العقوبة، في الدول التي لم تلغها، على «أشد الجرائم خطورة». وقد فسرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذا القيد باعتباره متعلقًا، في جوهره، بالجرائم التي تنطوي على قتل عمدي.
وبناءً عليه، لا يجوز دوليًا طلب الإعدام لمجرد الاتجار بالمخدرات أو بسبب عبارات عامة مثل الاعتداء على السلم الأهلي، ما لم تكن الإدانة والعقوبة مبنيتين بصورة واضحة على واقعة قتل عمدي مستوفية لجميع عناصرها وثابتة في محاكمة تحترم أعلى ضمانات المحاكمة العادلة. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتعليق العام رقم 36 للجنة حقوق الإنسان
ويستلزم ذلك أن تفصل المحكمة في حكمها بين الجرائم التي يمكن أن تستوجب العقوبة القصوى وفق القانون الوطني، والجرائم الأخرى التي لا يجوز دوليًا أن تكون أساسًا مستقلًا للإعدام.
موقف الدفاع
انتقلت المحكمة بعد مطالعة النيابة إلى محامي المتهم. ووفق ما توفر من معلومات، لم يقدم الدفاع شهودًا لصالح موكله في هذه المرحلة، وكرر إنكار الاتهامات وطلب من المحكمة الأخذ بأسباب الرأفة.
يثير هذا الموقف مسألتين منفصلتين. الأولى أن عدم استدعاء شهود دفاع لا يعني تلقائيًا وجود إخلال بحقوق المتهم؛ فقد يكون القرار جزءًا من استراتيجية الدفاع إذا رأى المحامي أن عبء الإثبات يقع على النيابة وأن ملفها غير كافٍ.
أما المسألة الثانية فهي أن الجمع بين إنكار جميع الاتهامات وطلب الرأفة، من دون ظهور مرافعة قانونية تفصيلية في الملخص المنشور، يجعل من الصعب تقييم فعالية الدفاع. ففي قضية يمكن أن تنتهي بالإعدام، يُفترض أن تتناول المرافعة بصورة واضحة صدقية كل شاهد، والتناقضات المحتملة، ومشروعية الأدلة، والرابطة بين المتهم والمجموعات المنفذة، والتكييف القانوني لكل جريمة.
كما لم يتضح من المواد المتاحة ما إذا كان عدم تقديم شهود يعود إلى قرار دفاعي حر، أم إلى عدم كفاية الوقت أو الموارد اللازمة للوصول إليهم. وهذه نقطة لا يمكن حسمها دون الاطلاع على محضر الجلسة ومذكرة الدفاع.
الكلمة الأخيرة للمتهم
منحت المحكمة وسيم الأسد فرصة أخيرة للحديث قبل اتخاذ القرار بشأن وضع الدعوى. تمسك المتهم بإنكاره السابق، وطلب الرحمة، وأفاد بأنه لا يرى نفسه مستحقًا لعقوبة الإعدام.
يمثل منح المتهم الكلمة الأخيرة ضمانة إجرائية مهمة، لكنه لا يغني عن حقه في دفاع قانوني فعال. كما أن طلب الرحمة لا يجوز تفسيره باعتباره اعترافًا ضمنيًا، خصوصًا أنه اقترن باستمرار إنكار الاتهامات.
وكان من الضروري أن يُثبت المحضر بصورة دقيقة مضمون كلمته الأخيرة، وألا تُستخدم عبارات الالتماس أو الخوف من العقوبة بديلًا عن إقرار صريح ومحدد بالوقائع.
قرار رفع الأوراق للتدقيق والحكم
بعد انتهاء مطالعة النيابة ومرافعة الدفاع والكلمة الأخيرة للمتهم، قررت الهيئة بالإجماع رفع أوراق الدعوى للتدقيق وإعداد الحكم، وحددت 29 تموز/يوليو 2026 موعدًا للجلسة التالية.
رفعت المحكمة الجلسة قرابة الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة، أي إن مدتها لم تتجاوز، وفق تقرير المراقبة، نحو عشرين دقيقة منذ دخول الهيئة القضائية.
كان القرار في ظاهره يعني انتهاء مرحلة المرافعات وانتقال القضية إلى المداولة. إلا أن المحكمة لم تصدر الحكم في الموعد المحدد لاحقًا، بعدما شهدت الجلسة الرابعة استكمال إجراءات الإثبات وإحالة أحد المدعين إلى الطبابة الشرعية. وهذا التطور يدل على أن ملف الدعوى لم يكن مكتملًا فعليًا عند ختام الجلسة الثالثة.
ومن الناحية القانونية، يجوز للمحكمة العودة إلى التحقيق إذا تبين لها أن هناك واقعة أو دليلًا يحتاج إلى استكمال. لكن كان ينبغي توضيح سبب إعادة فتح باب الإثبات بعد إعلان رفع الأوراق للحكم، وإتاحة الفرصة كاملة للدفاع لمناقشة الدليل الجديد وتعديل مذكرته الختامية على ضوئه.
التقييم الحقوقي
تمثل مطالبة النيابة بالإعدام أخطر تحول في المحاكمة حتى تلك المرحلة. فمنذ هذه اللحظة أصبحت ضمانات الدفاع والتسبيب وفحص الأدلة ذات حساسية مضاعفة، لأن أي خطأ قضائي محتمل لا يمكن تداركه بعد تنفيذ العقوبة.
ويُحسب للمحكمة أنها سمعت مطالعة النيابة، وأتاحت للدفاع الرد، ومنحت المتهم الكلمة الأخيرة، ثم لم تصدر حكمًا فوريًا داخل الجلسة. فرفع الملف للتدقيق يتيح نظريًا مراجعة الأدلة بعيدًا عن ضغط القاعة وردود الفعل العامة.
في المقابل، تكشف المعلومات المنشورة عن عدة نقاط تحتاج إلى تدقيق. فقد جاءت مطالبة النيابة، في صورتها المتاحة للجمهور، عامة ومختصرة قياسًا إلى اتساع الملف وجسامة العقوبة المطلوبة. ولم تُنشر المواد القانونية المحددة التي استندت إليها، أو الكيفية التي ربطت بها كل شهادة بالمتهم، أو معيارها في التمييز بين الأدلة المباشرة والأقوال السماعية.
ويثير الدفاع بدوره تساؤلات حول مدى فعاليته، ولا سيما مع غياب شهود دفاع والاقتصار الظاهر على الإنكار وطلب الرأفة. وفي قضية عقوبتها المحتملة الإعدام، لا يكفي توفير محامٍ من الناحية الشكلية؛ بل يجب أن يكون قادرًا على الاطلاع الكامل على الملف، واستجواب الشهود، وطلب الخبرات، وتقديم دفاع موضوعي بشأن كل تهمة.
كما يظل وصف الجلسة بالمغلقة بحاجة إلى قرار معلل. فحماية الشهود قد تبرر إغلاق الجزء الذي يتضمن بيانات حساسة، لكنها لا تبرر تلقائيًا حجب مطالعة النيابة ومرافعة الدفاع والكلمة الأخيرة للمتهم، وهي مراحل يمكن عادة إتاحتها للجمهور دون كشف هويات الشهود.
التوصيات
ينبغي نشر نسخة منقحة من مطالعة النيابة العامة ومذكرة الدفاع، مع إزالة المعلومات التي قد تهدد سلامة الشهود، لتمكين المراقبين من تقييم الأساس القانوني لطلب الإعدام ومدى فعالية الدفاع.
كما ينبغي بيان مواد قانون العقوبات والقوانين الخاصة التي استندت إليها النيابة في كل اتهام، والفصل بوضوح بين القتل العمد، والاتجار بالمخدرات، والجرائم المتعلقة بسلامة الدولة والسلم الأهلي.
ويتعين منح الدفاع فرصة فعلية لمناقشة أي دليل يُضم بعد رفع الأوراق للحكم، بما في ذلك التقارير الطبية اللاحقة، والسماح له بطلب خبرة مضادة أو استدعاء الطبيب الشرعي.
ويجب أن يتضمن الحكم، عند صدوره، تحليلًا مستقلًا لكل واقعة ولكل دليل، وألا تُفرض عقوبة الإعدام استنادًا إلى السمعة السابقة للمتهم أو انتمائه العائلي أو إلى توصيفات عامة لا تحدد دوره الشخصي.
كما ينبغي للمحكمة توضيح قرارات السرية والعلنية في محاضر معللة، مع اعتماد أقل التدابير مساسًا بحق الجمهور في مراقبة القضاء.
الخلاصة
مثّلت جلسة 22 تموز/يوليو 2026 نقطة التحول الأساسية في محاكمة وسيم الأسد. ففيها أنهت النيابة عرض موقفها وطالبت بالإعدام، ورد الدفاع بالإنكار وطلب الرأفة، ثم مُنح المتهم كلمته الأخيرة قبل رفع أوراق القضية للتدقيق.
إلا أن الانتقال السريع من سماع الشهادات في الجلسة السابقة إلى طلب الإعدام وإعلان اختتام المرافعات يفرض تساؤلات مشروعة عن مدى كفاية الزمن المخصص لتحليل ملف واسع ومتعدد الوقائع، وعن فعالية الدفاع، والأساس القانوني التفصيلي للعقوبة المطلوبة.
وعلى الرغم من أن المحكمة عادت لاحقًا إلى استكمال الإثبات، فإن ذلك يؤكد أهمية عدم التعامل مع الجلسة الثالثة باعتبارها نهاية مكتملة للمحاكمة. فالعدالة في قضية من هذا النوع لا تتحقق بسرعة الوصول إلى العقوبة، وإنما بدقة الإثبات، ووضوح التكييف القانوني، وحماية الضحايا، وضمان دفاع فعلي يجعل النتيجة القضائية قابلة للصمود أمام المراجعة الوطنية والدولية.