تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة التاسعة من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”
المنعقدة بتاريخ 11 آب/أغسطس 2026 في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
انعقدت بتاريخ 11 آب/أغسطس 2026 الجلسة التاسعة والأخيرة من محاكمة عاطف نجيب وعدد من المتهمين الغائبين أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، بعد مسار قضائي بدأ في 26 نيسان/أبريل من العام نفسه ومر بمراحل تثبيت أطراف الدعوى، واستجواب المتهم، وسماع شهود الحق العام، وتقديم شاهد بطلب الدفاع، ثم المرافعات والمذكرات الختامية.
وخصصت الجلسة للنطق بالحكم بعد أن كانت المحكمة قد رفعت أوراق الدعوى في الجلسة السابقة إلى التدقيق والمداولة.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان، بحضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف وعدد من أعضاء الهيئة، وممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية، إلى جانب ذوي عدد من الضحايا.
ومثل عاطف نجيب حضورياً أمام المحكمة بوصفه المتهم الوحيد الموجود في قبضة السلطات، بينما صدرت الأحكام المتعلقة ببقية المتهمين في غيابهم.
وتكتسب هذه الجلسة أهمية تتجاوز العقوبات التي أصدرتها المحكمة، إذ شكلت أول اختبار عملي واسع النطاق لقدرة القضاء السوري في المرحلة الانتقالية على الفصل في ملف يتصل بمسؤولين كانوا يشغلون مواقع عليا داخل النظام السياسي والعسكري والأمني السابق، وعلى معالجة وقائع تتضمن اتهامات بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وانتهاكات بحق الأطفال.
إعلان ختام المحاكمة
في مستهل الجلسة، أعلنت هيئة المحكمة انتهاء مرحلة المحاكمة والمداولة وصدور القرار القضائي بالإجماع.
وأوضحت المحكمة أن قرارها النهائي يقع في 396 صفحة، وأن نسخة منه ستنشر لاحقاً بعد إزالة أسماء وبيانات الشهود الذين شملتهم إجراءات الحماية.
ويكتسب حجم القرار وأهمية نشره دلالة خاصة من منظور مراقبة المحاكمة، لأن تقييم عدالة الحكم لا يمكن أن يقوم على منطوق العقوبة وحده، وإنما يستلزم الاطلاع على الأسباب التي اعتمدتها المحكمة، وكيفية تحليلها للأدلة والشهادات والدفوع، والأساس القانوني المستخدم في إسناد المسؤولية إلى كل متهم.
وقبل الانتقال إلى منطوق الحكم، عرض رئيس المحكمة خلاصة لأبرز العناصر التي اعتبرتها الهيئة ذات صلة بالسياق السياسي والأمني الذي وقعت ضمنه الجرائم محل الدعوى، كما تناولت المحكمة طبيعة النظام الأمني السابق وبنية اتخاذ القرار والعلاقة بين القيادة السياسية والأجهزة العسكرية والأمنية.
ويمثل إدراج هذا السياق جزءاً مهماً من محاولة المحكمة تفسير الوقائع الفردية ضمن بنية أوسع. إلا أن السياق التاريخي والسياسي، مهما كانت أهميته، لا يمكن أن يحل محل الإثبات الجنائي الفردي بالنسبة إلى كل متهم.
اللائحة النهائية للأحكام كما وردت في منطوق الحكم التفصيلي:
- بشار حافظ الأسد، والدته أنيسة، مواليد 1965: أُدين بجنايات القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، وقتل أطفال دون سن الخامسة عشرة، والقتل المقترن بأعمال التعذيب والشراسة، والتحريض على القتل العمد والقتل القصد لمرات متعددة، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، ووصفت المحكمة هذه الأفعال بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. واستندت في العقوبة إلى المواد 534 و535 و556 و216 من قانون العقوبات العام، وإلى الفقرتين (هـ) و(و) من المادة 2 من القانون رقم 16 لعام 2022. الحكم: الإعدام غيابيًا.
- عاطف نجيب نجيب، والدته فاطمة، مواليد 1960: أُدين بجنايات القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل القصد لأطفال، والقتل المقترن بالتعذيب والشراسة، والتحريض على القتل العمد والقتل القصد لمرات متعددة، والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف لمرات متعددة، واعتبرت المحكمة هذه الأفعال جرائم ضد الإنسانية. وقررت المحكمة صراحة أن أفعاله موضوع القضية وقعت بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2011، أي قبل التاريخ الذي اعتمدته لقيام النزاع المسلح غير الدولي، ولذلك لم تصف أفعاله بأنها جرائم حرب. كما أدين بجناية الاعتداء الذي يستهدف الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، وسرقة الأموال العامة، وغسل الأموال، وبجنح إثارة النعرات الطائفية، وإساءة استعمال السلطة، والإخلال بواجبات الوظيفة، والاحتيال. حُكم عليه عن بعض هذه الجرائم بالسجن المؤبد وبعقوبات سجن وغرامات، ثم دُمغت العقوبات المانعة للحرية وفق المادة 204 ونُفذت العقوبة الأشد. الحكم النهائي المنفذ: الإعدام حضورياً، مع جمع الغرامات وتنفيذها.
- ماهر حافظ الأسد، والدته أنيسة، مواليد 1967: أُدين بجنايات القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل المقترن بأعمال التعذيب والشراسة، والتحريض على القتل العمد والقتل القصد لمرات متعددة، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف لمرات متعددة، بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. كما أدين بجنح متصلة بإثارة النعرات الطائفية وإساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة. الحكم: الإعدام غيابيًا باعتباره العقوبة الأشد بعد دغم العقوبات.
- فهد جاسم الفريج، والدته شاها، مواليد 1950: أُدين بالجرائم الأساسية ذاتها الواردة ضمن المجموعة المكونة من ستة متهمين فارين: القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل المقترن بالتعذيب والشراسة، والتحريض على القتل، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف، بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، إضافة إلى الجنح الوظيفية والطائفية التي أوردها الحكم بحق المتهمين الفارين. الحكم: الإعدام غيابيًا.
- لؤي علي العلي، والدته ريما، مواليد 1965: أُدين بجنايات القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل المقترن بالتعذيب والشراسة، والتحريض على القتل، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. كما أدانته المحكمة بصورة إضافية بجناية قتل أطفال دون سن الخامسة عشرة بوصفها جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، وحكمت عليه عنها بالسجن المؤبد، وبجناية الاعتداء الهادف إلى إثارة النعرات الطائفية والاقتتال الأهلي وحكمت عليه عنها كذلك بالسجن المؤبد، إضافة إلى جنح أخرى. وبعد الدغم، الحكم المنفذ: الإعدام غيابيًا باعتباره العقوبة الأشد.
- قصي إبراهيم ميهوب، والدته فاطمة، مواليد 1961: أُدين بالقتل العمد والقتل القصد لأكثر من شخص والقتل المقترن بالتعذيب والشراسة والتحريض على القتل، إضافة إلى التعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت والحرمان من الحرية والخطف، بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. كما أدين بقتل أطفال دون الخامسة عشرة وبالاعتداء الهادف إلى إثارة النعرات الطائفية والاقتتال الأهلي، وصدر بحقه السجن المؤبد عن هذين الوصفين، إلى جانب جنح إضافية. بعد دغم العقوبات: الإعدام غيابيًا.
- وفيق صالح ناصر، والدته فطوم، مواليد 1964: أُدين بجنايات القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل المقترن بالتعذيب والشراسة، والتحريض على القتل، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. كما أدين بقتل أطفال دون الخامسة عشرة وبالاعتداء الهادف إلى إثارة النعرات الطائفية والاقتتال الأهلي، وحكم عليه بالسجن المؤبد عن هذه الجرائم إضافة إلى جنح أخرى. بعد الدغم: الإعدام غيابيًا.
- طلال فارس العيسمي، والدته أمرية، مواليد 1957: أُدين بجنايات القتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل المقترن بالتعذيب والشراسة، والتحريض على القتل، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية، والخطف بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. كما أدين بقتل أطفال دون الخامسة عشرة وبجناية الاعتداء الهادفة إلى إثارة النعرات الطائفية والاقتتال الأهلي، إضافة إلى جنح أخرى. بعد دغم العقوبات: الإعدام غيابيًا.
- محمد أيمن عيوش: لم يصدر بحقه حكم بالإدانة أو عقوبة؛ إذ قررت المحكمة إسقاط دعوى الحق العام بحقه بسبب الوفاة، استنادًا إلى المادة 435 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.
كما قررت المحكمة بالنسبة إلى المحكوم عليهم الفارين الإبقاء على مذكرات التوقيف الغيابية وتعميمها ومتابعة ملاحقتهم دوليًا، وتثبيت الحجز على أموالهم وتحويله إلى حجز تنفيذي، والحجر عليهم وتجريدهم مدنيًا وإدارة أموالهم وفق نظام أموال الغائب. وألزمت المحكوم عليهم بتعويض المدعين الشخصيين المقبولة دعاواهم، مع حفظ حق بقية المتضررين وذوي الضحايا والمفقودين بالمطالبة أمام القضاء المختص، وأمرت باستمرار تدابير حماية الشهود بعد صدور الحكم
تحديد مسؤولية بشار الأسد
اعتبرت المحكمة أن مسؤولية بشار الأسد تجاوزت، وفق تقييمها، مجرد التقصير في الرقابة على أجهزة الدولة، وربطت موقعه في القضية بمكانته كرئيس للجمهورية وبالصلاحيات السياسية والعسكرية والأمنية التي كانت مجتمعة لديه خلال المرحلة موضوع الدعوى.
وخلصت إلى أنه كان في موقع يسمح له، بحسب قناعتها، برسم السياسة العامة في مواجهة الاحتجاجات وتسخير أجهزة الدولة لتنفيذها.
وعلى هذا الأساس، اعتبرت المحكمة أن مساهمته تدخل ضمن المسؤولية عن الأفعال التي نفذتها أجهزة الدولة حتى عندما لم ينفذها شخصياً.
ويشكل هذا الاستنتاج أحد أكثر أجزاء الحكم أهمية من الناحية القانونية، لأنه يتعلق بالانتقال من إثبات ارتكاب الجرائم في الميدان إلى إسنادها إلى رأس السلطة السياسية استناداً إلى موقعه في منظومة القرار.
تقييم المحكمة لمسؤولية عاطف نجيب
خصصت المحكمة جزءاً مهماً من أسبابها لمسؤولية عاطف نجيب، بالنظر إلى توليه رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا وعضويته في اللجنة الأمنية في المحافظة خلال الفترة موضوع الدعوى.
وربطت المحكمة مسؤوليته بمجموعة من الوقائع التي سبق أن تناولتها جلسات المحاكمة، ومنها احتجاز قاصرين، وما تعرض له بعض المحتجزين من تعذيب وانتهاكات، والمشاركة في التحقيق معهم، إضافة إلى الوقائع المتعلقة باستخدام القوة وإطلاق النار خلال الاحتجاجات.
كما رأت المحكمة أن الأدلة التي فحصتها أثبتت وجوده الميداني وصلته بقرارات أمنية أسهمت في سقوط قتلى وجرحى، وربطت به كذلك مسؤولية تتصل باستخدام القناصة ومنع أو تعطيل وصول الإسعاف إلى بعض المصابين.
وهذه النتائج تمثل قناعة المحكمة القضائية المستخلصة من الأدلة، وليست مجرد إعادة عرض للاتهامات التي كانت النيابة قد وجهتها إليه في بداية الدعوى.
الأدلة التي قالت المحكمة إنها اعتمدت عليها
أوضحت المحكمة أنها لم تبن حكمها على نوع واحد من الأدلة، وإنما على مجموعة من المواد التي تراكمت خلال مراحل القضية.
وشملت هذه المواد شهادات شهود الحق العام، وأقوال المدعين الشخصيين، ووثائق رسمية، وتقارير طبية، ومواد صوتية ومرئية عرضت أثناء المحاكمة، إلى جانب تقارير دولية وثائقية.
واعتبرت المحكمة أن عدداً من شهادات الإثبات تقاطع في الأزمنة والأماكن والوقائع بدرجة دعمت، في تقديرها، مصداقيتها.
ويشكل هذا الجانب من الحكم نقطة محورية يجب فحصها عند نشر القرار الكامل.
فالمعيار لا ينبغي أن يقتصر على وجود عدة شهادات متشابهة، بل يتعين التحقق من استقلال مصادرها، ومن طبيعة معرفة كل شاهد، ومدى وجود أدلة موضوعية تدعم التفاصيل التي اعتمدتها المحكمة.
موقف المحكمة من دفاع عاطف نجيب
تناولت المحكمة كذلك موقف عاطف نجيب أثناء المحاكمة، ولا سيما استمراره في رفض الاتهامات والشهادات التي قدمت ضده.
ورأت الهيئة أن إنكاره لا ينسجم مع ما اعتبرته أدلة ثابتة في الملف.
كما أخذت المحكمة في الاعتبار عدم إبداء المتهم الندم أو تقديم اعتذار للضحايا أثناء مواجهته بهم، واعتبرت ذلك أحد العوامل التي دفعتها إلى عدم منحه أسباباً تقديرية لتخفيف العقوبة.
وهذه المسألة تستحق تقييمًا حقوقيًا مستقلاً؛ إذ ينبغي الفصل بين إثبات المسؤولية الجنائية وبين موقف المتهم النفسي أو الأخلاقي من الأفعال المنسوبة إليه.
فالإنكار وعدم الاعتذار لا يجوز أن يشكلا دليلًا على الإدانة. ويمكن، بعد ثبوت المسؤولية، أن يسمح القانون للمحكمة بالنظر في بعض الظروف عند تحديد العقوبة، لكن ممارسة المتهم حقه في الإنكار أو تمسكه بدفاعه يجب ألا تستخدم بوصفها قرينة مستقلة على ارتكاب الجريمة.
الحكم الصادر بحق عاطف نجيب
انتهت المحكمة إلى تجريم عاطف نجيب في مجموعة من الجنايات المرتبطة بالقتل والتعذيب والحرمان من الحرية والخطف، واعتبرت جزءاً من الأفعال التي ثبتت لديها واقعاً ضمن الجرائم ضد الإنسانية.
وقضت المحكمة نتيجة لذلك بإعدامه.
كما أدانته في جرائم أخرى مستقلة، من بينها أفعال مرتبطة بإثارة الاقتتال الأهلي، وسرقة الأموال العامة، وغسل الأموال، إضافة إلى عدد من الجنح المرتبطة بإساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة والاحتيال.
وفرضت المحكمة عقوبات سالبة للحرية وغرامات عن هذه الجرائم، قبل أن تقرر دغم العقوبات السالبة للحرية وتنفيذ العقوبة الأشد، وهي الإعدام، مع إبقاء الغرامات المالية واجبة التنفيذ.
وبذلك صدر الحكم بحق عاطف نجيب حضورياً، مع بقائه قابلاً للطعن وفق طرق المراجعة القضائية المقررة قانوناً.
الحكم الصادر بحق بشار الأسد
أدانت المحكمة بشار الأسد بجنايات متعددة تتعلق بالقتل العمد وقتل أكثر من شخص وقتل أطفال، والتحريض على القتل، والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت، والحرمان من الحرية.
ورأت المحكمة أن هذه الأفعال، وفق التكييف الذي اعتمدته، تشكل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وقضت نتيجة لذلك بإعدام بشار الأسد غيابياً.
وبذلك أصبح الحكم الصادر بحقه مرتبطاً بقواعد المحاكمة الغيابية وآثارها القانونية، ولا سيما ما يتعلق بإمكان إلغائه وإعادة المحاكمة إذا أصبح المتهم لاحقاً في قبضة القضاء السوري أو سلم نفسه وفق الأحكام الإجرائية المطبقة.
الحكم بحق ماهر الأسد وبقية المتهمين الفارين
كما قضت المحكمة بالإعدام غيابياً بحق كل من:
ماهر حافظ الأسد، وفهد جاسم الفريج، ولؤي علي العلي، وقصي إبراهيم ميهوب، ووفيق صالح ناصر، وطلال فارس العيسمي.
وأدانتهم المحكمة، بدرجات وصور مختلفة بحسب منطوق القرار، بجرائم مرتبطة بالقتل والتحريض عليه والتعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت والحرمان من الحرية والخطف، واعتبرت عدداً من هذه الوقائع جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
كما فرضت على بعض المتهمين عقوبات إضافية بالسجن المؤبد عن وقائع مرتبطة بقتل الأطفال وبالاقتتال الأهلي، إضافة إلى عقوبات عن إساءة استعمال السلطة والإخلال بواجبات الوظيفة.
إلا أن المحكمة قررت دغم العقوبات السالبة للحرية وتنفيذ العقوبة الأشد بحقهم، وهي الإعدام.
إسقاط الدعوى بحق محمد أيمن عيوش
خالف وضع المتهم محمد أيمن عيوش وضع بقية الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في قرار الاتهام.
إذ قررت المحكمة إسقاط دعوى الحق العام بحقه بسبب وفاته، وفق الأحكام الإجرائية المتعلقة بانقضاء الدعوى الجزائية بوفاة المتهم.
وبالتالي لم يصدر بحقه حكم بالإدانة أو العقوبة ضمن القرار النهائي.
ويمثل هذا التفصيل أهمية خاصة بسبب ورود اسمه في بعض التغطيات الأولية ليوم الحكم ضمن قائمة المحكوم عليهم بالإعدام، في حين أن النص التفصيلي اللاحق لمنطوق الحكم يبين بوضوح سقوط الدعوى بحقه بسبب الوفاة.
التعويضات وجبر ضرر الضحايا
لم يقتصر الحكم على الجانب العقابي، بل تناول كذلك المطالب المدنية للضحايا.
وقررت المحكمة إلزام المحكوم عليهم بالتكافل والتضامن بدفع تعويضات للمدعين الشخصيين الذين قبلت دعاواهم، وفق تقدير الضرر الخاص بكل حالة.
كما أبقت المحكمة حق الأشخاص المتضررين الذين لم يكونوا ممثلين في الدعوى، وكذلك ذوي الضحايا والمفقودين، في اللجوء لاحقاً إلى المراجع القضائية المختصة للمطالبة بحقوقهم.
وتشكل معالجة التعويضات خطوة مهمة من منظور حقوق الضحايا، لأن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تختزل في العقوبة الجنائية، بل تشمل الاعتراف بالضرر وجبره ورد الاعتبار للمتضررين.
إلا أن فعالية هذه التعويضات ستعتمد على إمكان تنفيذها عملياً، وآلية تحديد قيمتها، ومدى ملاءمتها للضرر المادي والمعنوي الذي تعرض له كل مدع.
الحجز على الأموال وآثار الأحكام الغيابية
ثبتت المحكمة الحجز الواقع على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهمين وحولته إلى حجز تنفيذي.
كما أبقت مذكرات التوقيف الصادرة بحق المتهمين الفارين نافذة، وقررت استمرار ملاحقتهم واتخاذ الإجراءات اللازمة لتعميمها والمضي في مسار الملاحقة الدولية وفق الأصول.
وقررت كذلك استمرار الآثار المدنية المترتبة على وضع المتهمين الفارين وإدارة أموالهم وفق القواعد المعمول بها بالنسبة إلى الغائبين.
وتشير هذه التدابير إلى أن الحكم لم ينظر إلى المحاكمة الغيابية باعتبارها نهاية عملية الملاحقة، وإنما أبقى الباب مفتوحاً أمام القبض على المحكوم عليهم أو تسلمهم في المستقبل.
حماية الشهود بعد الحكم
تضمن القرار استمرار التدابير التي اتخذتها المحكمة لحماية بعض الشهود حتى بعد انتهاء المحاكمة.
وتشمل هذه التدابير استخدام رموز أو أسماء بديلة بدل الهوية الحقيقية، وحفظ بيانات الأشخاص المشمولين بالحماية في ملف غير متاح للجمهور، إضافة إلى تقييد نشر المعلومات التي يمكن أن تكشف هوياتهم أو أماكن إقامتهم.
ويمثل استمرار الحماية بعد صدور الحكم جانباً إيجابياً، لأن المخاطر التي قد تواجه الشاهد لا تنتهي بالضرورة بانتهاء جلسات المحكمة.
وفي المقابل، ينبغي أن تبقى هذه الإجراءات متناسبة وقابلة للمراجعة، وألا تؤثر في حق المحكوم عليه في الطعن الفعال والوصول إلى المعلومات الضرورية لممارسة دفاعه خلال مرحلة النقض.
قابلية الحكم للطعن
ميز القرار بين المركز القانوني لعاطف نجيب وبين المتهمين الغائبين. فالحكم الصادر بحق عاطف نجيب صدر حضورياً وقابل للطعن بالنقض.
أما الأحكام الصادرة بحق المتهمين الفارين فجاءت غيابية، مع خضوعها للقواعد التي تسمح بإلغائها عند إلقاء القبض على المحكوم عليه أو تسليم نفسه، وفق ما قررته المحكمة.
ويمثل هذا التمييز ضمانة شديدة الأهمية، ولا سيما بالنظر إلى جسامة العقوبة الصادرة. فالحق في المراجعة القضائية يصبح أكثر أهمية عندما يكون الحكم بالإعدام.
التقييم الحقوقي والقانوني
تمثل جلسة 11 آب/أغسطس نقطة تاريخية في مسار المساءلة القضائية داخل سوريا، لكنها في الوقت ذاته تضع أمام المؤسسات القضائية أسئلة حقوقية وقانونية لا تقل أهمية عن رمزية الحكم نفسه.
فالانتقال من عقود من الإفلات من العقاب إلى محاكمة مسؤولين سابقين أمام قضاء وطني يمثل تطوراً مهماً بالنسبة إلى الضحايا وسيادة القانون.
إلا أن شرعية العدالة الانتقالية لا تقوم فقط على هوية الأشخاص الذين تتم محاكمتهم أو على خطورة الجرائم، وإنما تعتمد بدرجة أساسية على جودة الإجراءات التي أدت إلى الحكم.
الحكم بالإعدام
يمثل الحكم بالإعدام بحق عاطف نجيب وبقية المدانين أبرز موضع للتحفظ الحقوقي.
فعقوبة الإعدام نهائية وغير قابلة لتصحيح آثارها إذا ظهر لاحقاً وجود خطأ في الحكم أو تقييم الأدلة.
ولا يغير من ذلك جسامة الجرائم التي ثبتت، بحسب المحكمة، بحق المحكوم عليهم.
فالحق في الحياة وحظر العقوبات القاسية يظلان من المسائل المركزية في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وقد تبنى عدد متزايد من الدول والهيئات الحقوقية موقفاً يقوم على إلغاء عقوبة الإعدام أو وقف استخدامها.
وفي سياق العدالة الانتقالية السورية تحديداً، يمكن للمساءلة الجنائية الصارمة أن تتحقق من خلال عقوبات طويلة أو مؤبدة دون اللجوء إلى الإعدام.
ملاحظات جوهرية حول عدالة إجراءات عاطف نجيب
رغم أن المحكمة رأت أن إجراءاتها كفلت حق الدفاع، فقد أثار مراقبون حقوقيون مستقلون ملاحظات جدية بشأن بعض مراحل المحاكمة.
وتعلقت هذه الملاحظات بسرعة الإجراءات في عدد من الجلسات، والعدد الكبير من الشهادات التي جرى سماعها خلال فترات زمنية قصيرة، ومدى الصلة المباشرة لبعض الإفادات بعاطف نجيب، إضافة إلى مستوى المشاركة الفعلية لمحامي الدفاع.
ولا تكفي هذه الملاحظات، من دون دراسة القرار الكامل ومحاضر الجلسات، لإعلان بطلان المحاكمة.
لكنها ذات وزن كبير عندما تكون العقوبة هي الإعدام، وينبغي أن تخضع لفحص جدي أمام محكمة النقض.
فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكون مراجعة شكلية للحكم، وإنما مراجعة فعلية لكفاية الأدلة وسلامة الإجراءات وحقوق الدفاع.
استخدام عدم الندم في تحديد العقوبة
يثير اعتماد المحكمة على عدم إظهار عاطف نجيب الندم أو تقديم اعتذار في رفض منحه أسباباً مخففة مسألة تحتاج إلى قدر من الحذر.
فالندم يمكن أن يكون من الظروف التي تراعيها بعض النظم القانونية عند تقدير العقوبة بعد ثبوت الجريمة.
لكن المتهم الذي ينكر مسؤوليته لا يمكن عملياً أن يُطلب منه الاعتذار عن أفعال يقول إنه لم يرتكبها دون أن يكون لذلك أثر على حقه في الدفاع.
ولذلك ينبغي ألا يؤدي تمسك الشخص بالإنكار إلى عقوبة أشد بصورة تعاقبه فعلياً على ممارسة حقه في عدم الاعتراف.
الحاجة إلى نشر الحكم الكامل
من الصعب إجراء تقييم حقوقي شامل للحكم اعتماداً على خلاصة منطوقه فقط.
فالقرار المؤلف من 396 صفحة يفترض أن يحتوي على تحليل المحكمة للأدلة وشهادات الدفاع والاتهام، ومسائل الاختصاص، والتكييف القانوني، ومبدأ الشرعية، وأنماط المسؤولية المختلفة.
ويعد نشر نسخة منقحة منه ضرورة أساسية للشفافية.
كما سيسمح ذلك للمحامين والحقوقيين والضحايا والجمهور بتقييم ما إذا كانت أسباب الحكم تجيب فعلاً عن الانتقادات التي ظهرت أثناء المحاكمة.
الإشكالية المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية
اعتمد الحكم بصورة واضحة مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في توصيف عدد من الأفعال.
ومن الناحية الموضوعية، لا تتطلب الجرائم ضد الإنسانية وجود نزاع مسلح، وإنما ارتباط الأفعال بهجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، مع استيفاء بقية العناصر القانونية اللازمة.
لكن الإشكالية الأهم في هذه القضية تتعلق بالأساس القانوني الوطني الذي سمح بتطبيق هذا الوصف على أفعال ارتكبت عام 2011، في ظل عدم وجود منظومة سورية متكاملة آنذاك تُجرّم الجرائم ضد الإنسانية بالصورة المعروفة في القانون الجنائي الدولي.
ولهذا يجب أن يبين الحكم الكامل بصورة مقنعة كيفية التوفيق بين الاستناد إلى القانون الدولي وبين مبدأ الشرعية وعدم رجعية النصوص الجنائية.
الإشكالية الأكثر حساسية بشأن جرائم الحرب
تبدو مسألة جرائم الحرب أكثر تعقيداً.
فجريمة الحرب، خلافاً للجريمة ضد الإنسانية، تتطلب وجود نزاع مسلح وصلة بين الفعل والنزاع.
والعديد من الوقائع المركزية في هذه القضية تعود إلى المرحلة المبكرة من أحداث درعا في آذار/مارس 2011.
ومن ثم يجب أن يوضح الحكم، بالنسبة إلى كل واقعة وصفها بأنها جريمة حرب، ما إذا كان النزاع المسلح قد كان قائماً قانوناً وقت ارتكابها، وما هي الأدلة والمعايير التي اعتمدتها المحكمة للوصول إلى هذه النتيجة.
ولا يكفي أن يكون الفعل عنيفاً أو ارتكب بواسطة أجهزة عسكرية حتى يصبح جريمة حرب.
استخدام قانون لاحق على الوقائع
يثير منطوق الحكم كذلك مسألة تستحق مراجعة قانونية دقيقة، وهي استناد المحكمة ضمن المواد العقابية إلى القانون رقم 16 لعام 2022 وإلى تشريعات أخرى صدرت بعد جزء من الوقائع محل القضية.
وهنا يجب الفصل بين استخدام قانون لاحق إذا كان أصل الفعل مجرّماً بالفعل وقت وقوعه، وبين تطبيق تجريم أو ظرف مشدد جديد بأثر رجعي.
ويقتضي مبدأ الشرعية أن يكون الأساس العقابي قابلاً للتوقع وقت ارتكاب الفعل، وألا تفرض عقوبة أشد استناداً إلى تشريع لاحق، ما لم تكن القاعدة المستخدمة مجرد إعادة صياغة لمبدأ جنائي كان نافذاً بالفعل على نحو مشروع.
وتعد هذه المسألة من أهم النقاط التي ينبغي لمحكمة النقض فحصها.
المسؤولية الجنائية لبشار الأسد
يمثل الحكم الغيابي على بشار الأسد اختباراً آخر لطريقة تطبيق مفاهيم المسؤولية العليا.
فالمحكمة اعتبرت موقعه على رأس السلطة وعلاقته بوضع السياسات واستخدام أجهزة الدولة أساساً لإسناد مسؤولية تتجاوز مجرد التقصير في الرقابة.
إلا أن قوة هذا الاستنتاج تعتمد على الأدلة التي تثبت علاقته المحددة بالوقائع موضوع هذه الدعوى، لا على الطبيعة الاستبدادية للنظام السابق وحدها.
ومن الضروري لذلك أن يظهر في الحكم الكامل الفرق بين الأدلة المتعلقة بالسياق السياسي العام وبين الأدلة التي تثبت مساهمة بشار الأسد في الجرائم المحددة التي نظرتها المحكمة.
المحاكمة الغيابية
تظل الأحكام الصادرة بحق سبعة من المتهمين في غيابهم بحاجة إلى ضمانات قوية.
ويشكل النص على إمكانية إلغاء الأحكام الغيابية إذا أصبح المحكوم عليهم في قبضة القضاء ضمانة مهمة، لأن المحاكمة الجديدة يجب أن تتيح لهم تقديم دفاعهم ومناقشة الأدلة والشهود بصورة كاملة.
كما ينبغي ألا يؤدي الحكم الحالي إلى خلق افتراض مسبق بالإدانة أمام أي محاكمة حضورية مستقبلية.
تعويض الضحايا
يمثل تضمين الحكم تعويضات للمدعين الشخصيين وحفظ حقوق بقية الضحايا أحد أكثر عناصر القرار أهمية من منظور العدالة الانتقالية.
فالضحايا ليسوا مجرد شهود تستخدم أقوالهم للوصول إلى إدانة، وإنما أصحاب حقوق مستقلة في الاعتراف والإنصاف وجبر الضرر.
لكن التعويض القضائي في قضية واحدة لا يستطيع وحده معالجة حجم الأضرار التي خلفتها الانتهاكات على امتداد سوريا.
ولهذا ينبغي دمج هذه الأحكام ضمن سياسة أوسع لجبر الضرر تشمل التعويض وإعادة التأهيل والدعم النفسي ورد الاعتبار وإجراءات البحث عن المفقودين وضمان عدم التكرار.
اللغة الرسمية وقرينة البراءة
أظهرت بعض التغطيات الرسمية للقضية استخدام أوصاف إدانة بحق المتهمين في مراحل سبقت صدور الحكم النهائي.
وتظل هذه الممارسة محل تحفظ من منظور قرينة البراءة.
فمن حق الدولة توضيح أهمية المساءلة والاعتراف بمعاناة الضحايا، لكن الجهات الرسمية غير القضائية ينبغي أن تتجنب وصف المتهم بأنه مجرم قبل أن يصدر الحكم بحقه.
وتزداد أهمية هذا الفصل في القضايا ذات الطابع السياسي والتاريخي الشديد الحساسية.
التوصيات
في ضوء الحكم الصادر في 11 آب/أغسطس 2026، يوصى بنشر القرار القضائي الكامل المؤلف من 396 صفحة في أقرب وقت ممكن، بعد حجب البيانات التي يمكن أن تكشف هوية الشهود المحميين، مع الحفاظ على الأسباب القانونية والإثباتية دون اختصار جوهري.
كما يوصى بأن تخضع إدانة عاطف نجيب وعقوبة الإعدام الصادرة بحقه لمراجعة شاملة أمام محكمة النقض تشمل الوقائع والقانون وسلامة الإجراءات، وليس مجرد مراجعة شكلية.
وينبغي أن تدرس جهة الطعن بصورة خاصة مدى حصول الدفاع على وقت وتسهيلات كافية، وقدرته على مناقشة شهود الإثبات، وطبيعة الأدلة التي ربطت عاطف نجيب شخصياً بالأفعال محل الإدانة.
كما ينبغي مراجعة استخدام عدم إبداء الندم أو الاعتذار باعتباره سبباً لرفض التخفيف، ضماناً لعدم تحول ممارسة حق الإنكار إلى عامل يشدد العقوبة.
ويوصى بعدم تنفيذ عقوبة الإعدام بحق عاطف نجيب أو أي من المحكوم عليهم، والعمل على استبدالها، عند ثبوت المسؤولية نهائياً، بعقوبة سالبة للحرية تتناسب مع خطورة الجرائم.
كما ينبغي فحص الأساس القانوني لاستخدام توصيفات الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بصورة مفصلة، ولا سيما من منظور مبدأ الشرعية وعدم رجعية النص الجنائي.
ويتعين بصورة خاصة مراجعة مدى انطباق وصف جرائم الحرب على كل واقعة تعود إلى المرحلة المبكرة من عام 2011، وتحديد وجود النزاع المسلح والصلة بين الجريمة والنزاع.
كما ينبغي التدقيق في استخدام التشريعات الصادرة بعد عام 2011 في الأساس القانوني للحكم، وضمان عدم تطبيق أي تجريم أو عقوبة أشد بأثر رجعي.
وبالنسبة إلى بشار الأسد وماهر الأسد وبقية المحكوم عليهم غيابياً، ينبغي إبقاء حقهم في محاكمة حضورية جديدة كاملاً إذا أصبحوا تحت سلطة القضاء، مع عدم التعامل مع الحكم الغيابي باعتباره بديلاً عن حقهم في مواجهة الأدلة.
كما يوصى بنشر معايير واضحة بشأن كيفية تطبيق المسؤولية القيادية والمشروع الإجرامي المشترك والفاعل المعنوي، بما يمنع استخدام هذه المفاهيم بصورة فضفاضة في قضايا مستقبلية.
وفي مجال حقوق الضحايا، ينبغي وضع آلية واضحة وشفافة لتنفيذ مبالغ التعويض التي حكمت بها المحكمة، مع إنشاء مسار أوسع لجبر الضرر لا يقتصر على المدعين الذين تمكنوا من المشاركة في هذه القضية.
كما يجب استمرار تدابير حماية الشهود بعد الحكم، مع إخضاعها للمراجعة الدورية وضمان عدم تعارضها مع حق المحكوم عليه في إعداد طعن فعال.
وينبغي للجهات القضائية والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية الاستفادة من الملاحظات التي سجلتها منظمات المراقبة المستقلة، وعدم التعامل معها باعتبارها انتقاصاً من أهمية المساءلة؛ إذ إن معالجة أوجه القصور هي التي يمكن أن تعزز ثقة المجتمع بالمحاكمات المستقبلية.
كما يوصى بتطوير قانون متكامل للعدالة الانتقالية وقانون جنائي وطني يجرّم بصورة صريحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإخفاء القسري ويحدد أنماط المسؤولية الجنائية، بما يقلل الاعتماد مستقبلاً على حلول تفسيرية قد تثير إشكالات في مبدأ الشرعية.
الخلاصة
أغلقت جلسة 11 آب/أغسطس 2026 المرحلة الأولى من واحدة من أبرز القضايا القضائية في سوريا بعد سقوط النظام السابق.
فمن جهة، يمثل انتقال عاطف نجيب من موقع أمني كان يتمتع فيه بسلطة واسعة إلى المثول أمام محكمة مدنية والاستماع إلى ضحايا يقولون إنهم تعرضوا للانتهاكات خلال فترة مسؤوليته تحولاً بالغ الدلالة بالنسبة إلى مجتمع عاش لعقود في ظل الإفلات من العقاب.
كما أن إصدار أحكام بحق بشار الأسد وماهر الأسد ومسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين يحمل رسالة واضحة بأن الموقع السياسي أو الأمني لا ينبغي أن يشكل حصانة دائمة من المساءلة.
لكن هذه الدلالة التاريخية لا ينبغي أن تحجب الأسئلة التي كشفتها المحاكمة نفسها.
فالعدالة الانتقالية لا تصبح عادلة لمجرد أنها تحاكم مسؤولي النظام السابق، مثلما أن خطورة الجرائم لا تسمح بخفض معايير الإثبات أو الدفاع أو الشرعية الجنائية.
وقد أظهرت الجلسات السابقة والحكم النهائي معاً عناصر إيجابية تتصل بعلنية أجزاء من المحاكمة، وحضور الضحايا، وحماية بعض الشهود، والسماح بالدفاع، وإدراج التعويض وجبر الضرر ضمن القرار.
وفي المقابل، ظهرت أسئلة جدية بشأن سرعة بعض الإجراءات، وفعالية الدفاع، ودرجة اتصال بعض الشهادات بالمتهم، وإغلاق عدد من الجلسات، والتكييف القانوني للجرائم الدولية، واستخدام نصوص تشريعية لاحقة على الوقائع، وأخيراً اللجوء إلى عقوبة الإعدام.
ومن ثم لا ينبغي التعامل مع حكم 11 آب باعتباره نهاية النقاش حول العدالة في هذه القضية.
بل إن مرحلة الطعن ونشر القرار الكامل ومراجعته قانونياً هي جزء لا يقل أهمية عن المحاكمة نفسها.
فالاختبار الحقيقي لمسار العدالة الانتقالية السورية ليس فقط قدرته على إصدار أحكام ضد مسؤولين كانوا في السابق بمنأى عن القضاء، وإنما قدرته على بناء قضاء مختلف عن القضاء الذي عرفته سوريا في مرحلة الاستبداد: قضاء مستقل، معلل، شفاف، يحترم الضحية دون أن ينتقص من حقوق المتهم، ويحاسب المسؤول عن الجريمة بناءً على الدليل لا على هويته أو موقعه السياسي.
وإذا استطاعت المؤسسات القضائية معالجة أوجه القصور التي ظهرت في هذه المحاكمة والاستفادة منها في القضايا التالية، فإن قضية عاطف نجيب يمكن أن تصبح بداية لتطوير نموذج وطني جاد للمساءلة.
أما إذا أصبحت الرمزية السياسية للنتيجة بديلاً عن التدقيق في الإجراءات والأدلة، فإن خطر العدالة الانتقائية سيظل قائماً حتى عندما يكون الأشخاص المحاكمون متهمين بارتكاب انتهاكات شديدة الجسامة.
لهذا فإن إنصاف ضحايا درعا وسائر الضحايا السوريين لا يتحقق فقط بإدانة المسؤولين عن الجرائم، بل ببناء نظام قضائي يجعل سيادة القانون نفسها إحدى نتائج العدالة الانتقالية.