تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة السادسة من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”
المنعقدة بتاريخ 21 تموز/يوليو 2026 في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
انعقدت بتاريخ 21 تموز/يوليو 2026 الجلسة السادسة من محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ضمن القضية المتعلقة بالانتهاكات التي شهدتها محافظة درعا في بدايات عام 2011، وبمشاركة عدد من المتهمين الآخرين الذين تجري محاكمتهم غيابيًا.
وجاءت هذه الجلسة بعد سلسلة من الجلسات التي انتقلت فيها المحكمة تدريجيًا من الإجراءات التمهيدية واستجواب المتهم إلى مرحلة سماع الشهود وفحص الأدلة. وقد استمرت الجلسة السادسة ضمن هذا المسار، حيث خُصصت بصورة رئيسية لمواصلة الاستماع إلى شهود الحق العام ومواجهة المتهم بما يقدم أمام المحكمة في إطار الإثبات القضائي.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وشارك في عضوية الهيئة المستشاران عبد الحميد محمد الحمود وحسام حسين عبد الرحمن، بحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي.
كما حضر عدد من ذوي الضحايا القادمين من محافظة درعا، وأعضاء من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب ممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية دولية تتابع إجراءات المحاكمة.
استمرار مرحلة سماع شهود الحق العام
لم تنتقل المحكمة خلال الجلسة السادسة إلى مرحلة المرافعات النهائية، وإنما واصلت جمع الأدلة الشفهية التي بدأت بصورة موسعة خلال الجلستين الرابعة والخامسة.
واستمعت هيئة المحكمة إلى إفادات شهود الحق العام في مواجهة عاطف نجيب، ضمن الإجراءات الرامية إلى استكمال ملف الإثبات المتعلق بالاتهامات المعروضة عليها.
وبذلك شكلت الجلسة السادسة امتدادًا للمرحلة السابقة من المحاكمة، التي أصبحت فيها شهادات الضحايا والأشخاص الذين يقولون إنهم عايشوا أحداث درعا أو تعرضوا لانتهاكات خلالها جزءًا أساسيًا من الأدلة التي يجري فحصها.
غير أن المعلومات المنشورة علنًا عن جلسة 21 تموز/يوليو لم تتضمن عرضًا تفصيليًا يمكن التحقق منه لكل شاهد أو مضمون كل إفادة على حدة.
ولهذا السبب، لا يتضمن هذا التقرير إعادة بناء للشهادات أو نسبة وقائع فردية إلى أشخاص لم تنشر إفاداتهم بصورة كافية. ويقتصر الرصد في هذا الجانب على ما أمكن التحقق منه بشأن طبيعة الإجراءات والمرحلة التي بلغتها المحاكمة.
ويمثل هذا التحفظ ضرورة منهجية، خصوصًا أن القضية تتعلق باتهامات جنائية بالغة الخطورة، ولا يصح استكمال النقص في المواد المنشورة من خلال افتراض أن شهود الجلسة السادسة كرروا بالضرورة الوقائع نفسها التي وردت في الجلسات السابقة.
طبيعة الوقائع محل الإثبات
جاءت إفادات الشهود في سياق ملف جنائي يتناول مجموعة من الوقائع التي سبق أن ناقشتها المحكمة خلال الجلسات السابقة، وتتصل بصورة عامة بالقتل والتعذيب والاعتقال التعسفي واستخدام القوة في مواجهة الاحتجاجات التي شهدتها محافظة درعا.
كما يتضمن ملف الاتهام وقائع مرتبطة بأحداث المسجد العمري، وبوفيات وقعت أثناء الاحتجاز، وبالمسؤولية المنسوبة إلى عاطف نجيب عن ممارسات الأجهزة الأمنية خلال الفترة التي كان يتولى فيها رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا.
إلا أن وجود هذه الوقائع ضمن ملف الدعوى لا يعني أن كل شاهد جرى الاستماع إليه في الجلسة السادسة أدلى بشهادة حول جميعها.
ومن الضروري لذلك الفصل بين نطاق الاتهامات العامة في القضية وبين المضمون الفردي لشهادات جلسة 21 تموز/يوليو، الذي لم تتوافر عنه في المصادر العلنية تفاصيل كافية تسمح بإعادة عرضه بصورة دقيقة.
استمرار إغلاق جلسات الشهود
عقدت الجلسة السادسة بصورة مغلقة أثناء سماع شهود الحق العام، استمرارًا للنهج الذي اتبعته المحكمة خلال الجلسات السابقة المخصصة للشهادة.
ويأتي ذلك في سياق التدابير التي اتخذتها المحكمة للتعامل مع شهادات تتضمن معلومات حساسة وبيانات شخصية للضحايا والشهود.
وتختلف هذه الجلسة من حيث مستوى المعلومات المتاحة للجمهور عن الجلسات الأولى من المحاكمة التي شهدت قدرًا أوسع من العلنية والتغطية الإعلامية.
وقد أدى استمرار إغلاق مرحلة سماع الشهود إلى اعتماد الجمهور بصورة أكبر على البيانات الرسمية وتقارير المراقبين الذين تمكنوا من حضور الإجراءات، بدل الوصول المباشر إلى ما دار داخل قاعة المحكمة.
وفي الوقت ذاته، استمر حضور ممثلين عن جهات قانونية وإنسانية ودولية، وهو عنصر مهم في توفير شكل من أشكال الرقابة الخارجية على المحاكمة في ظل تقييد العلنية.
موقع الجلسة السادسة ضمن مسار الإثبات
تكتسب الجلسة السادسة أهميتها من كونها جاءت بعد جلستين شهدتا توسعًا كبيرًا في سماع شهود الحق العام.
فخلال الجلسة الرابعة استمعت المحكمة إلى مجموعة من الشهادات المرتبطة باعتقال الأطفال والتعذيب وأحداث المسجد العمري وغيرها من الوقائع، ثم واصلت في الجلسة الخامسة الاستماع إلى عدد كبير من الشهود.
وبالتالي أصبحت المحكمة، مع انعقاد الجلسة السادسة، أمام كتلة متنامية من الأدلة الشفهية التي يتعين عليها لاحقًا مقارنتها بما يتوافر في ملف الدعوى من وثائق وأدلة أخرى.
وهنا تظهر إحدى القضايا المركزية في المحاكمة: فزيادة عدد الشهادات لا تعني تلقائيًا زيادة قوة ملف الإثبات.
وتبقى القيمة القانونية لكل شهادة مرتبطة بطبيعة معرفة صاحبها بالواقعة، ومدى مباشرته لها، واتساق روايته، ووجود أدلة أخرى تدعمها، والأهم من ذلك قدرتها على إثبات الصلة بين الواقعة والمتهم الذي يراد تحميله المسؤولية عنها.
الانتقال من إثبات الانتهاكات إلى تحديد المسؤولية
مع تقدم المحاكمة، أصبحت الحاجة أكثر وضوحًا إلى الفصل بين إثبات أن انتهاكات وقعت بالفعل في درعا وبين تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عنها.
فالقتل أو التعذيب أو الاعتقال التعسفي يمكن أن يثبت من خلال شهادة ضحية أو شاهد أو وثيقة أو تقرير طبي، لكن إسناد الفعل إلى عاطف نجيب يتطلب خطوة إثباتية إضافية.
وقد تقوم هذه الصلة، بحسب طبيعة كل اتهام، على ادعاء بارتكابه الفعل بنفسه، أو إصداره أمرًا، أو مشاركته في قرار أمني، أو مسؤوليته عن مرؤوسين خاضعين لسيطرته الفعلية.
ولهذا السبب ينبغي للمحكمة، مع تراكم شهادات الحق العام، ألا تتعامل معها باعتبارها كتلة واحدة، وإنما أن تحدد بالنسبة إلى كل واقعة: ما الذي تثبته الشهادة؟ وما مصدر معرفة الشاهد؟ ومن الشخص أو الجهة التي ينسب إليها الفعل؟ وما الدليل الذي يربط المتهم بذلك الفعل؟
تعدد الأجهزة الأمنية
تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بسبب تعدد الأجهزة التي كانت تعمل في محافظة درعا خلال الفترة موضوع المحاكمة.
فالمواد التي جرى تناولها في الجلسات السابقة أشارت إلى وجود الأمن السياسي والأمن العسكري وأمن الدولة والمخابرات الجوية والشرطة وغيرها من الجهات في سياق التعامل مع الاحتجاجات والاعتقالات.
وقد اعتمد عاطف نجيب في جانب من دفاعه السابق على هذا التعدد، إذ نفى مسؤولية فرعه عن بعض الوقائع ونسبها إلى أجهزة أخرى.
ومن ثم فإن تحديد الجهة التي نفذت كل عملية يصبح جزءًا أساسيًا من عملية الإثبات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأفعال ارتكبت ميدانيًا بواسطة عناصر قد لا يكون انتماؤهم الأمني ظاهرًا للشهود المدنيين.
ويحتاج هذا الجانب، إلى جانب الشهادة الشخصية، إلى أدلة مؤسسية تساعد في تحديد توزيع الاختصاصات وانتشار الوحدات وتسلسل إصدار الأوامر والعلاقة بين رؤساء الأجهزة واللجنة الأمنية والقيادات المركزية في دمشق.
الحاجة إلى الأدلة الوثائقية
مع استمرار المحكمة في سماع الشهود حتى الجلسة السادسة، تزداد أهمية البحث في الأدلة التي يمكن أن تدعم الروايات الشفهية بصورة مستقلة.
وتشمل هذه الأدلة، متى كانت متاحة، سجلات الاعتقال والاحتجاز، وأوامر النقل، والمراسلات الأمنية، ومحاضر الاجتماعات، وسجلات المستشفيات، والتقارير الطبية، والصور والتسجيلات، والوثائق المتعلقة بتوزيع المهام بين الأجهزة.
كما يمكن أن تكتسب شهادات أشخاص كانوا يعملون داخل المؤسسات الأمنية أهمية خاصة في تفسير كيفية اتخاذ القرارات ومن كان يمتلك سلطة فعلية على العناصر الموجودة في الميدان.
ولا يعني ذلك أن شهادة الضحية غير كافية من حيث المبدأ، وإنما أن الجمع بين الأدلة الشفهية والوثائقية والمؤسسية يوفر للمحكمة أساسًا أقوى لتحديد المسؤولية الفردية في قضية تتعلق بهيكل أمني معقد.
موقف المتهم وحقوق الدفاع
استمرت الجلسة السادسة ضمن محاكمة يحضر فيها عاطف نجيب شخصيًا ويمثله محامٍ، بينما تستمر محاكمة بقية المتهمين الغائبين وفق الإجراءات المقررة للمحاكمة الغيابية.
وبالنسبة إلى عاطف نجيب، ينبغي أن تظل جميع الإفادات التي تقدم ضده قابلة للمناقشة من جانب الدفاع، وأن تتاح لمحاميه فرصة حقيقية لاختبار مضمونها ومدى اتصالها بموكله.
ويشمل ذلك معرفة ما إذا كان الشاهد قد رأى المتهم بنفسه، والظروف التي جرى فيها التعرف عليه، وما إذا كانت لديه إفادة سابقة، وما إذا كان مضمونها يتطابق مع شهادته أمام المحكمة، إضافة إلى إمكانية إبراز أي تناقضات جوهرية.
أما بالنسبة إلى المعلومات التي يكون مصدرها أشخاصًا آخرين، فينبغي تحديد طبيعتها بصورة واضحة وعدم منحها الوزن ذاته الذي يمكن أن تتمتع به المشاهدة المباشرة دون أسباب إضافية.
ختام الجلسة
بعد استكمال الجزء المقرر من سماع شهود الحق العام، قررت هيئة المحكمة رفع الجلسة والانتقال في المرحلة التالية إلى المطالبة والادعاء والدفاع، وحددت يوم 28 تموز/يوليو 2026 موعدًا لاستكمال الإجراءات القضائية.
ويشير هذا القرار إلى أن المحاكمة كانت تتجه، بعد سلسلة متتابعة من جلسات الإثبات وسماع الشهود، نحو مرحلة جديدة يصبح فيها لأطراف الدعوى دور أكبر في عرض مطالبهم ومواقفهم القانونية بشأن الأدلة والتهم المعروضة أمام المحكمة.
التقييم الحقوقي والقانوني
تمثل الجلسة السادسة نقطة مهمة في مسار المحاكمة، ليس بسبب ظهور وقائع جديدة معلنة على نطاق واسع، وإنما لأنها جاءت في نهاية سلسلة مكثفة من جلسات سماع الشهود وقبيل انتقال المحكمة إلى مرحلة المطالبات والدفاع.
ومن منظور مراقبة المحاكمة، يجعل ذلك تقييم جودة عملية الإثبات أكثر أهمية من مجرد إحصاء عدد الشهادات التي استمعت إليها المحكمة.
محدودية المعلومات العلنية
تتمثل إحدى أبرز الملاحظات الحقوقية المتعلقة بهذه الجلسة في محدودية المعلومات المتاحة للجمهور عن مضمونها.
فإغلاق الجلسة قد يكون مبررًا بالنسبة إلى بعض الشهود الذين يحتاجون إلى حماية، إلا أن استمرار إغلاق جلسات سماع الشهود بصورة واسعة يجعل تقييم المحاكمة من الخارج أكثر صعوبة.
ويجب التمييز بين حماية هوية الشاهد وبين حجب كامل مضمون الإجراءات.
ففي كثير من الحالات يمكن تحقيق الحماية من خلال عدم نشر الاسم أو الصورة أو البيانات التي تكشف الهوية، مع السماح بنشر مضمون قانوني منقح للشهادة أو ملخص قضائي لها.
وكلما ازدادت أهمية القضية للرأي العام، ازدادت الحاجة إلى إيجاد توازن بين سلامة المشاركين وشفافية القضاء.
علنية المحاكمة باعتبارها ضمانة
لا تهدف علنية المحاكمة إلى خدمة وسائل الإعلام فقط، وإنما تمثل إحدى ضمانات الرقابة على القضاء وتعزيز الثقة في نزاهة الإجراءات.
ومن المشروع تقييدها عندما توجد مخاطر حقيقية على الشهود أو الضحايا أو سلامة المحاكمة، لكن القيود ينبغي أن تكون محددة ومتناسبة.
ويستحسن لذلك أن تبرر المحكمة بصورة مستقلة قرار إغلاق كل جلسة أو جزء منها، بدل اعتماد الإغلاق بصورة شبه تلقائية لجميع جلسات الإثبات.
كما يمكن اللجوء إلى وسائل أقل تقييدًا، مثل حجب بيانات الشاهد، أو منع التصوير، أو إغلاق القاعة أثناء الأجزاء شديدة الحساسية فقط.
تراكم الشهادات وجودة الإثبات
بعد عدة جلسات خصصت لسماع شهود الحق العام، تصبح المسألة الرئيسية هي كيفية تحليل المحكمة لهذا الكم من الإفادات.
فالتشابه بين شهادتين قد يعزز مصداقيتهما إذا كان مصدر كل منهما مستقلًا، لكنه قد لا يضيف قوة إثباتية كبيرة إذا كان الشاهدان ينقلان المعلومة نفسها عن مصدر واحد.
كما أن تكرار وصف نمط من التعذيب أو الاعتقال يمكن أن يساعد في إثبات وجود ممارسة متكررة، لكنه لا يحدد بمفرده الشخص المسؤول جنائيًا عنها.
ولهذا يجب أن يتضمن الحكم النهائي تحليلًا للأدلة وليس مجرد تعداد للشهادات.
الحق في مناقشة الشهود
يمثل حق المتهم في استجواب شهود الإثبات أو جعلهم موضع مناقشة فعلية أحد المكونات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وتزداد أهميته عندما تكون الشهادة الدليل الرئيسي على واقعة معينة.
ولا يكفي، من منظور حقوقي، عرض الشهادة على المتهم ثم سؤاله عما إذا كان يقبلها أو ينكرها.
بل ينبغي منح الدفاع فرصة معقولة لاختبار مصدر معرفة الشاهد ومصداقيته وعلاقته بالواقعة، مع مراعاة التدابير الضرورية لحماية الضحايا.
ويكتسب هذا الجانب أهمية أكبر بالنظر إلى الانتقادات التي ظهرت بشأن سرعة سماع عدد كبير من الشهود في الجلسة السابقة ومحدودية الدور الظاهر للدفاع في بعض مراحل المحاكمة. وقد أثيرت هذه الملاحظات من مراقبين قانونيين، وهي تستوجب التحقق من المحاضر الرسمية قبل الوصول إلى استنتاج نهائي بشأن مدى كفاية الدفاع.
المسؤولية الفردية لا المسؤولية بالمنصب
مع اقتراب مرحلة الإثبات من نهايتها، يصبح من الضروري أن تحدد المحكمة الأساس الذي يمكن أن تنسب بموجبه كل جريمة إلى كل متهم.
ولا ينبغي أن يقوم هذا الأساس على مجرد كون عاطف نجيب رئيسًا لفرع الأمن السياسي في درعا.
فالمسؤولية الجنائية شخصية، ويجب إثبات عناصرها.
وإذا كانت المحكمة ترى أنه ارتكب فعلًا بنفسه، فيجب تحديد الدليل على ذلك. وإذا كان الاتهام قائمًا على إصدار أمر، فيجب إثبات الأمر وصلته بالجريمة. وإذا كانت المسؤولية مبنية على موقعه القيادي، فينبغي إثبات نطاق سلطته وسيطرته الفعلية والعناصر القانونية الأخرى اللازمة.
وتكتسب هذه الدقة أهمية خاصة بسبب تعدد الأجهزة الأمنية التي كانت تعمل في درعا وعدم خضوعها جميعًا بالضرورة لتسلسل قيادي واحد.
محاكمة المتهمين الغائبين
تتطلب محاكمة بشار الأسد وماهر الأسد وغيرهما من المتهمين الغائبين اهتمامًا مستقلًا بضمانات المحاكمة الغيابية.
فغياب المتهم لا يلغي ضرورة إثبات القضية بحقه بصورة فردية، ولا يسمح باعتبار الأدلة المقدمة ضد متهم حاضر قابلة للتطبيق تلقائيًا على بقية المتهمين.
ويجب أن يبين الحكم بالنسبة إلى كل متهم الفعل المنسوب إليه والأدلة التي تثبت مساهمته ونمط مسؤوليته.
كما يجب احترام الضمانات التي يقررها القانون بشأن إعادة المحاكمة أو الاعتراض على الحكم الغيابي إذا أصبح المتهم لاحقًا تحت سلطة القضاء.
الانتقال إلى مرحلة المطالبات والدفاع
يحمل قرار المحكمة بتحديد الجلسة التالية للمطالبة والادعاء والدفاع أهمية خاصة.
فبعد أن استمعت المحكمة إلى عدد كبير من الشهود، تصبح المرحلة المقبلة اختبارًا لمدى قدرة الدفاع على التعامل مع مجموع الأدلة وليس فقط الرد على كل شهادة بصورة منفصلة.
وينبغي منحه وقتًا وتسهيلات كافية لدراسة ملف القضية كاملًا، وربط الشهادات بالوثائق، وإعداد دفوعه القانونية والواقعية، وتحديد الأدلة التي يرغب في تقديمها.
وفي قضية بهذا الحجم والخطورة، لا ينبغي أن تؤدي الرغبة في إنهاء المحاكمة بسرعة إلى تقليص الوقت الضروري لإعداد الدفاع.
قرينة البراءة
تظل قرينة البراءة واجبة الاحترام حتى بعد انتهاء مرحلة شهود الإثبات.
فالانتقال إلى المرافعات لا يعني أن الاتهامات أصبحت ثابتة، كما أن عدد الضحايا أو الشهود لا يغير معيار المسؤولية الجنائية.
وتتحمل جهة الاتهام عبء إثبات القضية، ولا يقع على عاطف نجيب واجب إثبات براءته.
كما ينبغي أن تحافظ البيانات الرسمية والإعلامية المرتبطة بالمحاكمة على التمييز بين وصف الشخص بأنه متهم وبين تقديم مسؤوليته باعتبارها حقيقة قضائية محسومة قبل صدور الحكم.
وهذه الملاحظة ذات أهمية خاصة عندما تستخدم جهات رسمية لغة تقريرية بشأن المسؤولية أثناء استمرار المحاكمة.
التكييف القانوني
مع اقتراب المحكمة من مرحلة المرافعات، ستصبح مسألة التكييف القانوني أكثر مركزية.
فالأفعال التي يدور حولها ملف القضية، مثل القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي، يمكن أن تشكل جرائم بموجب القانون الوطني، وقد تدخل كذلك ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا أثبت السياق والعناصر القانونية اللازمة.
لكن خطورة الانتهاكات لا تكفي وحدها لإعطائها وصفًا دوليًا.
وينبغي بيان الأساس القانوني المستخدم، والعناصر السياقية للجريمة، وعلاقة كل متهم بها، مع مراعاة مبدأ الشرعية وعدم رجعية النصوص العقابية.
التوصيات
في ضوء مجريات الجلسة السادسة، يوصى بأن تضمن المحكمة قبل الانتقال إلى المرافعات حصول الدفاع على الوقت والتسهيلات الكافية لمراجعة كامل ملف الإثبات والشهادات التي جرى الاستماع إليها خلال الجلسات السابقة.
كما ينبغي ضمان حق الدفاع في طلب إعادة استدعاء شاهد عندما توجد حاجة جدية لمناقشته بشأن مسألة جوهرية لم تتح فرصة كافية لمعالجتها أثناء شهادته.
ويوصى بأن تعتمد المحكمة في حكمها منهجًا واضحًا لتصنيف الأدلة، يميز بين الشهادة المباشرة والمعلومات السماعية والأدلة الوثائقية والرقمية والقرائن، وأن توضح أسباب قبول أو رفض الأدلة الأساسية.
كما ينبغي عدم التعامل مع كثرة الشهادات باعتبارها بديلًا عن إثبات العلاقة الفردية بين المتهم والجريمة.
ويُوصى بتعزيز ملف القضية، حيثما أمكن، بالأدلة المؤسسية والوثائقية التي تساعد في تحديد تسلسل القيادة وطبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية المختلفة ومن كان يمتلك سلطة إصدار الأوامر أو منع تنفيذها.
وفيما يتعلق بعلنية المحاكمة، ينبغي إعادة تقييم الحاجة إلى الإغلاق في كل مرحلة، خصوصًا مع الانتقال من سماع الشهود إلى المرافعات القانونية، إذ يفترض أن تكون المرافعات علنية ما لم توجد أسباب محددة تبرر خلاف ذلك.
كما يوصى بنشر محاضر أو ملخصات قضائية رسمية منقحة لجلسات الشهود المغلقة، بحيث يمكن للجمهور والباحثين والمراقبين تقييم المسار العام للمحاكمة دون المساس بسلامة الشهود.
وينبغي أن تستخدم المؤسسات الرسمية لغة محايدة عند الحديث عن المتهمين قبل الحكم، وأن تميز بوضوح بين الاتهامات والوقائع التي ثبتت قضائيًا.
أما بالنسبة إلى المتهمين الغائبين، فيجب تقييم الأدلة بحق كل واحد منهم بصورة مستقلة، وعدم نقل المسؤولية أو الأدلة من متهم إلى آخر دون بيان الصلة القانونية والواقعية.
كما ينبغي ضمان جميع الحقوق التي يقررها القانون للأشخاص المحكوم عليهم غيابيًا إذا مثلوا لاحقًا أمام القضاء.
ويستحسن كذلك أن تمنح المحكمة الدفاع مساحة كاملة في الجلسة التالية لتقديم دفوعه القانونية والواقعية، وألا يقتصر دوره على الرد المختصر على مطالبات النيابة أو المدعين.
وفي المحصلة، لم تتميز الجلسة السادسة بظهور تفاصيل علنية جديدة بحجم ما ظهر في بعض الجلسات السابقة، لكنها اكتسبت أهميتها من موقعها داخل المسار القضائي؛ إذ جاءت في نهاية مرحلة ممتدة من سماع شهود الحق العام وقبل الانتقال إلى المطالبات والدفاع.
ويفرض هذا الانتقال على المحكمة أن تتحول من جمع الأدلة إلى وزنها وتحليلها.
فالمهمة لم تعد مجرد الاستماع إلى مزيد من الروايات، وإنما تحديد ما الذي أثبتته هذه الروايات، وما الذي بقي محل شك، وأي منها يرتبط بعاطف نجيب مباشرة، وأي منها يثبت السياق العام دون أن يحدد المسؤول الفردي.
كما يتعين تحديد الأدلة المتعلقة بكل متهم غائب بصورة منفصلة.
وتكشف محدودية المعلومات المنشورة عن الجلسة السادسة في الوقت نفسه عن مشكلة تتجاوز هذه الجلسة وحدها، وهي صعوبة ممارسة رقابة عامة فعالة على محاكمة ذات أهمية تاريخية عندما تعقد مراحل واسعة من الإثبات بعيدًا عن الجمهور ولا تتوافر محاضر قضائية تفصيلية لاحقًا.
وحماية الشهود ضرورة لا ينبغي التقليل منها، لكنها لا تتعارض بالضرورة مع الشفافية. ويمكن لنظام قضائي منظم أن يحجب أسماء الضحايا والبيانات الحساسة، وفي الوقت نفسه يتيح للجمهور معرفة طبيعة الأدلة والإجراءات والدفوع والقرارات التي ستبنى عليها الأحكام.
ومع انتقال القضية إلى مرحلة المطالبات والادعاء والدفاع، يصبح الاختبار التالي للمحاكمة هو مدى إتاحة المجال للأطراف لمناقشة ملف الإثبات بصورة حقيقية ومتوازنة.
فالعدالة لا تتحقق بعدد الشهود الذين تمكنت المحكمة من سماعهم ولا بسرعة الوصول إلى الحكم، وإنما بقدرتها على التمييز بين الادعاء والدليل، وبين وقوع الجريمة ومسؤولية الشخص عنها، ثم إصدار حكم معلل يمكن فهم الأساس الذي قام عليه ومراجعته قضائيًا.