تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الخامسة من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”
المنعقدة بتاريخ 14 تموز/يوليو 2026 في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
انعقدت بتاريخ 14 تموز/يوليو 2026 الجلسة الخامسة من محاكمة عاطف نجيب وعدد من المتهمين الغائبين أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في القضية المرتبطة بالانتهاكات التي شهدتها محافظة درعا في بدايات عام 2011.
وجاءت هذه الجلسة استكمالًا مباشرًا لمرحلة الإثبات التي بدأت بصورة موسعة في الجلسة السابقة، حيث واصلت المحكمة الاستماع إلى شهود الحق العام والأشخاص المنضمين إلى الدعوى، في وقت أصبح فيه حجم الشهادات وكيفية إدارتها ومناقشتها أحد العناصر الرئيسية في تقييم مدى استيفاء المحاكمة لمتطلبات العدالة والإنصاف.
وعلى خلاف المرحلة الأولى من المحاكمة التي تركزت على المسائل الإجرائية واستجواب المتهم، لم تشهد الجلسة الخامسة تحولًا في طبيعة الإجراءات، وإنما استمرت المحكمة في جمع وسماع الأدلة الشفهية المتعلقة بأحداث درعا وبالانتهاكات المنسوبة إلى المتهم وإلى الأجهزة الأمنية التي كانت تعمل في المحافظة.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وشارك في عضوية الهيئة المستشاران عبد الحميد محمد الحمود وحسام حسين عبد الرحمن، بحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي.
كما حضر الجلسة عدد من ذوي الضحايا القادمين من محافظة درعا، وأعضاء في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب ممثلين عن منظمات قانونية وحقوقية وإنسانية محلية ودولية تابعت إجراءات المحاكمة بصفة مراقبين.
استمرار عقد جلسات الشهود بصورة مغلقة
استمرت المحكمة في الجلسة الخامسة في تطبيق النهج الذي اتبعته خلال مرحلة سماع الشهود، إذ عُقد الجزء المخصص للإفادات بصورة مغلقة ولم يكن متاحًا للبث العام.
ويرتبط هذا الإجراء بطبيعة الشهادات المعروضة أمام المحكمة، وبوجود معلومات شخصية وحساسة تتعلق بالضحايا والشهود، فضلًا عن الحاجة إلى عدم تعريض بعضهم لمخاطر يمكن أن تنشأ عن الكشف العلني عن هوياتهم أو تفاصيل تجاربهم.
ومع ذلك، استمر حضور جهات حقوقية وقانونية بصفة مراقبين، وهو ما وفر مستوى من الرقابة المستقلة على الإجراءات رغم تقييد وصول الجمهور ووسائل الإعلام إلى مضمون الشهادات.
وتبرز أهمية هذه النقطة بصورة خاصة في الجلسة الخامسة، نظرًا إلى العدد الكبير من الإفادات التي استمعت إليها المحكمة خلال فترة زمنية محدودة، وهو ما يجعل حضور المراقبين المستقلين ضروريًا لتقييم الطريقة التي أديرت بها عملية الإثبات ومدى إتاحة الفرصة الكافية لكل شاهد وللدفاع.
استكمال سماع شهود الحق العام
خصصت المحكمة الجزء الرئيسي من الجلسة لاستكمال سماع شهود الحق العام الذين لم يكن قد تم الاستماع إليهم خلال الجلسة السابقة.
وتضمنت هذه المرحلة شهادات لأشخاص قدموا أنفسهم باعتبارهم ضحايا مباشرين لانتهاكات وقعت خلال أحداث درعا أو أثناء الاعتقال والاحتجاز في المرحلة الأولى من عام 2011.
كما استمعت المحكمة إلى أشخاص منضمين إلى الدعوى بصفة مدعين، في إطار استكمال ملف الإثبات المتعلق بالوقائع المنسوبة إلى عاطف نجيب وبقية المتهمين.
ووفق المعلومات المتاحة عن الجلسة، بلغ عدد المدعين المنضمين إلى القضية في هذه المرحلة أكثر من خمسين شخصًا، ما تطلب من المحكمة مواصلة تخصيص عدة جلسات لسماع الإفادات ودراسة الوثائق والأدلة المرتبطة بكل منها.
وبسبب عدم نشر محضر قضائي رسمي يتضمن النص الكامل لشهادات الجلسة الخامسة، وعدم توفر تقرير مراقبة مستقل منشور يقدم مضمون كل شهادة على حدة بالطريقة التي توافرت بشأن الجلسة الرابعة، فإن هذا التقرير لا ينسب إلى الشهود تفاصيل فردية لم يمكن التحقق منها من أكثر من مادة منشورة.
ويقتصر الرصد، لذلك، على العناصر الإجرائية والموضوعية التي أمكن إثباتها، وعلى طبيعة مرحلة الإثبات والضمانات التي رافقتها، دون إعادة بناء شهادات لم تُنشر تفاصيلها بصورة موثوقة.
شهادة أحد المعتقلين عندما كان طفلًا
من بين الأشخاص الذين تأكد مثولهم أمام المحكمة في جلسة 14 تموز/يوليو أحد المدعين الذين كانوا أطفالًا عند اعتقالهم في درعا عام 2011.
وكان الشاهد في الثالثة عشرة من عمره تقريبًا عند توقيفه في سياق القضية المرتبطة بالشعارات التي ظهرت على جدران إحدى مدارس درعا في شباط/فبراير 2011، وهي القضية التي أصبحت لاحقًا أحد العناصر الرئيسية في الملف المتعلق ببداية الاحتجاجات في المحافظة.
ويكتسب مثوله أمام عاطف نجيب بعد مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على الواقعة دلالة خاصة بالنسبة لمسار المحاكمة، إذ أتاح لأحد الأشخاص الذين كانوا قاصرين وقت الأحداث أن يظهر أمام القضاء الوطني بوصفه طرفًا في إجراءات المساءلة.
إلا أن القيمة الحقوقية لهذه المواجهة لا ينبغي أن تُقاس بالبعد الرمزي وحده، وإنما بطريقة إدارتها قضائيًا، ومدى ارتباط ما قدمه الشاهد من معلومات بعناصر الاتهام، وإمكانية اختبار أقواله ومقارنتها بالأدلة الأخرى الموجودة في الملف.
وتندرج شهادته ضمن مجموعة أوسع من الإفادات التي استمعت إليها المحكمة خلال الجلستين الرابعة والخامسة لأشخاص كانوا أطفالًا أو شبانًا وقت أحداث درعا، أو تعرضوا للاعتقال أو سوء المعاملة خلال تلك المرحلة.
طبيعة الأدلة الشفهية المعروضة
يتضح من المسار الذي اتخذته المحكمة أن الشهادة الشخصية أصبحت أحد المكونات الرئيسية لملف الإثبات.
ولا يثير الاعتماد على شهادة الضحايا والشهود في حد ذاته إشكالًا؛ فالشهادة تعد وسيلة إثبات أساسية في القضايا الجنائية، وخصوصًا عندما تتعلق الجرائم بأماكن احتجاز مغلقة أو بأفعال ارتكبتها أجهزة كانت تحتفظ بالوثائق والمعلومات بعيدًا عن الرقابة العامة.
لكن طبيعة القضية والفترة الزمنية الطويلة التي تفصل المحاكمة عن أحداث عام 2011 تجعل تقييم هذه الشهادات بحاجة إلى قدر مرتفع من الدقة.
وينبغي بصورة خاصة التمييز بين الشخص الذي شهد واقعة بنفسه، والشخص الذي ينقل معلومات تلقاها من الآخرين، وبين الشهادة التي تثبت وقوع انتهاك وتلك التي تربط الفعل بعاطف نجيب شخصيًا.
ويكتسب هذا التمييز أهمية لأن عددًا من الانتهاكات محل القضية وقعت في سياق أمني شاركت فيه أجهزة متعددة، وهو ما يجعل مجرد إثبات وقوع الاعتقال أو إطلاق النار أو التعذيب غير كافٍ بذاته لتحديد المسؤولية الجنائية الفردية لكل متهم.
موقف عاطف نجيب من الإفادات
واصل عاطف نجيب خلال الجلسة الخامسة موقفه الذي تبناه في الجلسات السابقة، والقائم على رفض الاتهامات والشهادات التي تنسب إليه مسؤولية مباشرة عن الانتهاكات محل الدعوى.
وعند مواجهته بمضمون الإفادات، لم يغير المتهم موقفه الأساسي، واستمر في إنكار مسؤوليته عن الأفعال المنسوبة إليه.
ويتسق ذلك مع الدفاع الذي قدمه خلال المراحل السابقة، والذي نفى فيه أن يكون قد أصدر أوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، كما نفى مسؤولية فرع الأمن السياسي عن عدد من وقائع الاعتقال والتعذيب، وطعن في وجوده في بعض المواقع في التواريخ التي تحدث عنها الشهود.
ومن منظور المحاكمة العادلة، يظل الإنكار حقًا أصيلًا للمتهم، ولا يجوز استخلاص الإدانة من مجرد رفضه الاعتراف بالتهم أو عدم إبدائه الندم.
ويتحمل الادعاء عبء تقديم أدلة كافية لإثبات المسؤولية الجنائية، دون انتقال هذا العبء إلى المتهم لإثبات براءته.
كثافة سماع الشهادات
أثارت الجلسة الخامسة مسألة إجرائية ذات أهمية خاصة تتعلق بعدد الشهادات التي استمعت إليها المحكمة مقارنة بالمدة الزمنية المتاحة للجلسة.
وتشير المعلومات التي قدمها مراقبون حضروا الجلسة إلى الاستماع إلى عدد كبير من الشهود خلال فترة قصيرة نسبيًا، مع اختلاف بين المصادر بشأن الرقم الدقيق.
ولا يمثل الخلاف العددي في ذاته المشكلة الأساسية، وإنما يطرح سؤالًا أوسع بشأن ما إذا كانت المدة المخصصة لكل شهادة قد أتاحت عرض الوقائع بصورة كافية، وما إذا تمكنت المحكمة من استيضاح نقاط الغموض والتناقض، والأهم ما إذا حصل الدفاع على فرصة حقيقية لمناقشة كل شاهد.
ففي القضايا المتعلقة بجرائم جسيمة، لا ينبغي أن يتحول عدد الشهود إلى غاية مستقلة أو معيار لنجاح إجراءات الإثبات.
وقد تكون شهادة واحدة دقيقة ومدعومة بأدلة مستقلة أكثر قيمة من عدة شهادات لا يجري اختبار مصدر معلومات أصحابها أو علاقتها المباشرة بالمتهم.
وبالتالي، فإن سرعة الانتقال بين عدد كبير من الشهادات خلال جلسة واحدة تستوجب تقييمًا خاصًا من منظور جودة الإثبات وحقوق الدفاع.
دور الدفاع أثناء سماع الشهود
تثير مرحلة سماع الشهود أيضًا تساؤلات مرتبطة بمدى الدور الفعلي الذي مارسه الدفاع خلال الإجراءات.
فالمعيار المطلوب لا يتحقق بمجرد حضور محامٍ بجانب المتهم، بل يتطلب أن تكون للمحامي القدرة العملية على التدخل وطرح الأسئلة والاعتراض على الأدلة ومناقشة الشاهد واختبار مصداقيته.
وتتضاعف أهمية هذه الضمانة عندما تعتمد القضية بدرجة كبيرة على الشهادات الشخصية.
فإذا نسب شاهد إلى المتهم فعلًا مباشرًا أو أمرًا أو حضورًا في مكان واقعة، ينبغي أن يتمكن الدفاع من استيضاح الظروف التي شاهد فيها الشخص المتهم، والمسافة والزمن والظروف المحيطة، وأي إفادات سابقة أدلى بها، ومدى وجود تناقض بينها وبين أقواله أمام المحكمة.
أما إذا كانت المعلومات سماعية، فمن المهم تحديد مصدرها الأصلي ومدى إمكانية التحقق منه.
كما ينبغي أن يتمكن الدفاع من تقديم أدلة أو شهود يناقضون رواية جهة الاتهام عندما تكون هذه الأدلة متاحة.
ولا تكمن أهمية هذه الحقوق في حماية المتهم وحده؛ إذ إن اختبار الأدلة بصورة جدية يعزز أيضًا قوة الحكم إذا انتهت المحكمة إلى الإدانة، ويجعل النتيجة أكثر قدرة على الصمود أمام الطعن والمراجعة.
الضغوط المحيطة بمحامي الدفاع
برز خلال فترة انعقاد الجلسة الخامسة نقاش عام حول الضغوط التي تعرض لها المحامي الذي تولى الدفاع عن عاطف نجيب، في ظل الحساسية المجتمعية الشديدة للقضية وما يرتبط باسم المتهم من غضب واسع لدى ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم.
وتستوجب هذه المسألة اهتمامًا خاصًا من منظور استقلال مهنة المحاماة.
فالحق في الدفاع لا يعني تبرير الجرائم أو التقليل من معاناة الضحايا، كما أن قيام محامٍ بالدفاع عن شخص متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لا يعني تبني أفعاله أو مواقفه.
ووجود دفاع مستقل وقادر على أداء مهامه شرط أساسي لصحة المحاكمة، خصوصًا عندما تكون التهم شديدة الخطورة ويمكن أن تفضي إلى عقوبات بالغة القسوة.
ولا ينبغي أن يؤدي الضغط الاجتماعي أو الإعلامي إلى الحد من قدرة المحامي على ممارسة دوره أو إلى خلق بيئة يخشى فيها المحامون تولي الدفاع في القضايا المرتبطة بالنظام السابق.
فالعدالة الانتقالية التي تحمي الضحايا ينبغي أن تحمي في الوقت نفسه استقلال القضاء والمحامين، لأن غياب الدفاع الفعال يضعف مشروعية المحاكمة نفسها.
استكمال ملف الإثبات
أظهرت الجلسة الخامسة أن المحكمة لم تكن قد انتهت بعد من مرحلة سماع الشهود، نظرًا إلى العدد الكبير من المدعين والأشخاص الذين طلبت الجهات المعنية الاستماع إليهم.
كما ظل ملف الدعوى يتضمن إلى جانب الشهادات مواد أخرى، من بينها وثائق وأدلة مرئية وتقارير ومواد جرى تناول بعضها في الجلسات السابقة.
ومن ثم لا يمكن تقييم قوة ملف الإثبات استنادًا إلى شهادة الضحايا وحدها، بل يتعين النظر إلى الطريقة التي ستربط بها المحكمة بين الأدلة الشفهية والوثائق والأدلة المادية وغيرها من المواد الموجودة في الملف.
وفي ختام الجلسة، قررت المحكمة تأجيل النظر في القضية إلى 21 تموز/يوليو 2026 لمتابعة الإجراءات القضائية واستكمال سماع الشهود.
وبذلك انتهت الجلسة الخامسة دون إقفال باب الإثبات ودون الانتقال إلى المرافعات النهائية، مع استمرار المتهم في إنكار ما نسب إليه.
التقييم الحقوقي والقانوني
تكشف الجلسة الخامسة بصورة أكثر وضوحًا عن التحدي الذي يواجه المحكمة في الجمع بين متطلبين متلازمين: منح الضحايا فرصة فعلية للمشاركة في عملية المساءلة، وفي الوقت نفسه إخضاع الأدلة المقدمة ضد المتهم لفحص قضائي دقيق يحترم قرينة البراءة وحق الدفاع.
الحق في سماع الضحايا لا يلغي اختبار الأدلة
يمثل وصول ضحايا الانتهاكات إلى قاعة المحكمة تطورًا بالغ الأهمية في السياق السوري، وخصوصًا بالنسبة لأشخاص ظلوا لسنوات طويلة محرومين من أي فرصة لعرض ما تعرضوا له أمام قضاء وطني.
غير أن الدور الحقوقي للمحكمة يختلف عن دور مؤسسة التوثيق أو لجنة تقصي الحقائق.
فالمحكمة الجنائية لا تقتصر مهمتها على تسجيل روايات الضحايا، وإنما يجب عليها تحديد ما إذا كان كل دليل يثبت الوقائع وفق المعايير المطلوبة للمسؤولية الجنائية.
ولهذا فإن احترام الضحية والاستماع إلى تجربتها يجب أن يقترنا بحق الدفاع في المناقشة والتحقق.
وهذان العنصران ليسا متعارضين. بل إن إخضاع الشهادة للفحص المهني يساهم في إعطائها قيمة قضائية أكبر عندما تثبت صحتها.
سرعة الإجراءات وعدد الشهود
تعد كثافة الشهادات في جلسة 14 تموز/يوليو واحدة من أبرز المسائل التي تستحق المتابعة الحقوقية.
فإذا استمعت المحكمة إلى عدد يتراوح، وفق المصادر المختلفة، بين أربعة عشر وثمانية عشر شاهدًا في جلسة امتدت نحو ساعتين، فإن ذلك يعني تخصيص مدة محدودة جدًا في المتوسط لكل إفادة، حتى قبل احتساب الوقت اللازم لإجراءات تحليف الشهود والأسئلة والمواجهة والاعتراضات.
ولا يمكن الجزم من المدة وحدها بأن حق الدفاع قد انتهك، لأن بعض الشهادات قد تكون قصيرة أو محدودة الموضوع.
لكن هذا المعدل يشكل مؤشرًا يستوجب التدقيق في محاضر الجلسة لمعرفة مقدار الوقت الذي مُنح للدفاع لمناقشة كل شاهد، ومدى استيضاح المحكمة للتناقضات، وما إذا كان بعض الشهود اكتفى بتأكيد إفادات مكتوبة سابقة.
وفي القضايا المعقدة المرتبطة بانتهاكات جماعية، ينبغي تجنب تحويل سرعة الإنجاز إلى أولوية تتقدم على جودة الإثبات.
حق الدفاع الفعال
يثير ما توفر من معلومات حول محدودية تدخل محامي الدفاع أثناء بعض مراحل المحاكمة مسألة تحتاج إلى مراجعة جدية.
فالمادة المتعلقة بالمحاكمة العادلة لا تكتفي بتعيين محامٍ للمتهم، وإنما تتطلب أن تكون المساعدة القانونية عملية وفعالة.
ويشمل ذلك اطلاع الدفاع على الأدلة في الوقت المناسب، والتحضير للمناقشة، وتوجيه الأسئلة إلى شهود الإثبات، وتقديم أدلة النفي، والاعتراض على الإجراءات التي يراها مخالفة للقانون.
وإذا كان امتناع المحامي عن التدخل نابعًا من استراتيجية دفاعية اختارها بحرية، فهذه مسألة تختلف عن عدم التدخل بسبب ضغط خارجي أو نقص في الوصول إلى الملف أو تقييد من المحكمة.
ولذلك ينبغي توثيق أسباب محدودية التدخل قبل استخلاص نتيجة بشأن كفاية الدفاع.
الضغط على المحامي وحق المتهم في التمثيل القانوني
أي استهداف اجتماعي أو إعلامي للمحامي بسبب قبوله تمثيل عاطف نجيب يثير إشكالية حقوقية مستقلة.
ولا تتوقف ضمانات العدالة عند باب المحكمة، بل تشمل وجود بيئة يستطيع فيها المحامي أداء دوره دون تهديد أو تشهير أو خوف من الانتقام.
وينبغي لنقابة المحامين والسلطات القضائية ضمان حق المحامين في تمثيل أي متهم، بصرف النظر عن خطورة التهم أو موقف الرأي العام منه.
وهذا المبدأ مهم بصورة خاصة في العدالة الانتقالية، لأن قوة النظام القضائي الجديد ستقاس أيضًا بقدرته على احترام حقوق الأشخاص المتهمين بالانتماء إلى النظام السابق.
العلاقة بين الشهادة والجاني المزعوم
تؤكد الجلسة الخامسة مجددًا أهمية الفصل بين ثلاث مسائل مختلفة: وقوع الانتهاك، وهوية الشخص الذي نفذه، والأساس القانوني لمسؤولية عاطف نجيب عنه.
وقد تكون الشهادة كافية لإثبات أن شخصًا تعرض للتعذيب، لكنها لا تثبت بالضرورة أن عاطف نجيب هو من عذبه.
وقد تثبت وجود المتهم في مرفق أمني، لكنها لا تثبت تلقائيًا علمه بكل ما كان يجري داخله.
وقد تثبت أن عناصر من فرعه ارتكبوا أفعالًا معينة، لكن مساءلته عن هذه الأفعال تستلزم تحديد الأساس القانوني الذي يربط المسؤول القيادي بأفعال مرؤوسيه.
وهذا التدرج في الإثبات ضروري لمنع قيام المسؤولية الجنائية على أساس المنصب أو السمعة أو الانتماء السياسي وحده.
أهمية الأدلة الوثائقية والمؤسسية
مع استمرار سماع أعداد كبيرة من الضحايا، تبرز الحاجة أيضًا إلى أدلة تساعد في تفسير كيفية عمل المنظومة الأمنية نفسها.
وتكتسب الوثائق المتعلقة بالهيكل التنظيمي، وتسلسل إصدار الأوامر، والمراسلات، وسجلات الاحتجاز، وأسماء الضباط المناوبين، وأوامر نقل المعتقلين، والتقارير الطبية، وغيرها من المواد أهمية خاصة.
كما يمكن لشهادات أشخاص كانوا يعملون داخل الأجهزة الأمنية أن تساعد المحكمة في تحديد العلاقة الفعلية بين الأجهزة المختلفة والجهات التي كانت تمتلك سلطة اتخاذ القرار.
وهذا النوع من الأدلة لا يستبدل شهادات الضحايا، وإنما يكملها ويساعد على الانتقال من إثبات نمط الانتهاكات إلى تحديد المسؤولية الفردية داخل بنية مؤسساتية معقدة.
علنية المحاكمة
استمرار إغلاق جلسات سماع الشهود يستدعي بدوره مراجعة مستمرة لمبدأ التناسب.
فحماية الشهود والضحايا يمكن أن تبرر الحد من التصوير أو كشف الأسماء أو عقد أجزاء محددة بصورة مغلقة، لكن استمرار إغلاق جلسات كاملة ينبغي أن يرتبط بضرورة ملموسة في كل مرة.
ويستحسن التمييز بين الشهود الذين يحتاجون فعلًا إلى حماية خاصة وبين من لا يوجد خطر واضح من سماع شهادتهم بصورة علنية.
كما يمكن للمحكمة استخدام تدابير أقل تقييدًا، مثل حجب الاسم أو الصورة أو الصوت أو إخلاء القاعة خلال الجزء الحساس فقط.
ويصبح نشر ملخص رسمي ومحايد للجلسة أكثر أهمية عندما تقيد العلنية، شرط ألا يقدم الملخص رواية جهة الاتهام على أنها حقيقة قضائية نهائية.
قرينة البراءة
ينبغي استمرار التعامل مع عاطف نجيب باعتباره متهمًا حتى صدور حكم قضائي نهائي وفق الإجراءات المقررة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب المكانة الرمزية للقضية والغضب المجتمعي الواسع المرتبط بانتهاكات النظام السابق.
ولا تؤثر خطورة التهم في نطاق قرينة البراءة.
كما أن إنكار المتهم أو عدم تقديمه اعتذارًا أو إظهار الندم لا يجوز، في ذاته، أن يكون دليلًا على ارتكاب الجرائم.
فالحق في الصمت والحق في عدم تجريم الذات والحق في مطالبة الادعاء بإثبات القضية تظل قائمة حتى في القضايا المتعلقة بأشد الانتهاكات جسامة.
التكييف القانوني للجرائم
تظل مسألة التوصيف القانوني للوقائع واحدة من التحديات الرئيسية في القضية.
فالشهادات المتعلقة بالقتل والتعذيب والحرمان من الحرية وغيرها من الأفعال يمكن أن تشكل أساسًا لجرائم منصوص عليها في التشريع الجنائي الوطني، كما يمكن أن تكون ذات صلة ببحث وجود جرائم ضد الإنسانية إذا استوفت العناصر السياقية المطلوبة.
غير أن إثبات جريمة ضد الإنسانية لا يقتصر على إثبات مجموعة من الأفعال الفردية، وإنما يتطلب إثبات علاقتها بهجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد السكان المدنيين، بالإضافة إلى العناصر الأخرى اللازمة للمسؤولية الجنائية.
كما يستمر التحفظ القانوني بشأن استخدام وصف جرائم الحرب بالنسبة إلى أفعال وقعت في الفترة المبكرة من عام 2011 إذا لم يثبت وجود نزاع مسلح ذي صلة في التاريخ والمكان المحددين.
ومن ثم يجب أن يتضمن أي حكم يصدر في القضية تحليلًا مفصلًا للأساس القانوني المستخدم، وألا يكتفي بالتوصيف العام للوقائع باعتبارها جرائم دولية.
التوصيات
في ضوء مجريات الجلسة الخامسة، يوصى بأن تمنح المحكمة الوقت الكافي لكل شاهد لتقديم إفادته، وأن تتجنب ضغط عدد كبير من الشهادات في فترة زمنية يمكن أن تؤثر في جودة الاستماع والمناقشة.
كما ينبغي ضمان حصول الدفاع على فرصة عملية وكافية لمناقشة كل شاهد يقدم دليلًا يمكن استخدامه في إثبات مسؤولية المتهم، مع تمكينه من الاطلاع المسبق على الإفادات والمواد ذات الصلة ضمن الحدود التي تسمح بها تدابير حماية الشهود.
ويُوصى بتوثيق المدة والإجراءات المتعلقة بكل شهادة في محاضر المحكمة، بما يسمح لاحقًا بمراجعة مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص بين الادعاء والدفاع.
كما ينبغي حماية محامي الدفاع من أي ضغط أو تهديد مرتبط بقيامه بواجباته المهنية، والتأكيد علنًا أن تمثيل المتهم قانونيًا يشكل جزءًا من ضمانات العدالة ولا يعني تأييد الأفعال المنسوبة إليه.
ويستحسن أن تشجع المحكمة الدفاع على ممارسة دوره بصورة فعالة في مناقشة الأدلة، مع احترام استقلاله في اختيار استراتيجيته القانونية.
كما يوصى بأن تواصل المحكمة التفريق بين الأدلة التي تثبت وقوع الانتهاكات وتلك التي تربط عاطف نجيب بها شخصيًا، وأن تحدد في حكمها بصورة مستقلة أساس المسؤولية عن كل واقعة.
وينبغي أيضًا تعزيز ملف الإثبات بأكبر قدر ممكن من الوثائق والسجلات والتقارير الطبية والأدلة الرقمية والمواد المتعلقة بالتسلسل القيادي للأجهزة الأمنية، وعدم الاعتماد بصورة مفرطة على الشهادات الشخصية وحدها.
وفيما يتعلق بالشهود الذين كانوا أطفالًا وقت الأحداث، ينبغي الاستمرار في تطبيق إجراءات تراعي الصدمة النفسية ومرور الزمن، مع دعم الإفادات بأدلة مستقلة كلما أمكن.
كما يوصى بإعادة تقييم ضرورة إغلاق كل جلسة بصورة منفصلة، وقصر القيود على العلنية على الحالات التي توجد فيها حاجة حقيقية لحماية شاهد أو معلومة حساسة.
وعند عقد جلسات مغلقة، ينبغي نشر ملخصات قضائية رسمية ومحايدة تتضمن طبيعة الإجراءات والقرارات دون الكشف عن هوية الشهود المحميين أو تقديم الاتهامات على أنها وقائع نهائية.
كما ينبغي على جميع المؤسسات الرسمية والأطراف المرتبطة بعملية العدالة الانتقالية الالتزام بلغة تحترم قرينة البراءة، والتمييز في بياناتها بين الاتهام والدليل والحكم القضائي.
وفي الجانب التشريعي، تستمر الحاجة إلى معالجة الفجوات المتعلقة بالجرائم الدولية وأنماط المسؤولية القيادية وحماية الشهود وحقوق الضحايا، بما يوفر إطارًا أكثر وضوحًا للقضايا المستقبلية.
وفي المحصلة، أكدت الجلسة الخامسة أن المحاكمة دخلت مرحلة تعتمد بدرجة كبيرة على شهادات الأشخاص الذين يقولون إنهم تعرضوا مباشرة للانتهاكات خلال أحداث درعا.
وتمثل إتاحة المجال لهؤلاء الأشخاص للمثول أمام القضاء خطوة مهمة في استعادة حق الضحايا في الوصول إلى العدالة وإيصال رواياتهم إلى مؤسسة قضائية وطنية.
غير أن الجلسة أثارت، في الوقت ذاته، سؤالًا لا يقل أهمية عن حق الضحايا في الكلام، وهو مدى الوقت والقدرة اللذين توفرهما المحكمة لفحص ما يقال داخلها.
فالقيمة القضائية للشهادة لا تتحدد فقط بقوة التجربة الإنسانية التي تحملها، ولا بعدد الأشخاص الذين يروون انتهاكات متشابهة، وإنما بمدى قدرتها على الصمود أمام المناقشة والمقارنة بالأدلة الأخرى وإثبات العلاقة الفردية بين المتهم والجريمة.
وكلما كانت الجريمة أخطر والعقوبة المحتملة أشد، ازدادت الحاجة إلى إجراءات أكثر دقة، لا إلى خفض مستوى الضمانات.
ومن هنا، فإن عدالة هذه المحاكمة ستقاس بقدرتها على الجمع بين الاستماع الجاد للضحايا وبين الفحص الجاد للأدلة، وبين محاسبة من تثبت مسؤوليته وبين حماية حق المتهم في دفاع فعلي ومستقل.
إن الانتقال من مرحلة الإفلات من العقاب إلى مرحلة المساءلة يمثل تحولًا أساسيًا في سوريا، لكن نجاح هذا التحول يتطلب ألا تكون العدالة الجديدة انعكاسًا للغضب المشروع وحده، وإنما نموذجًا قضائيًا يستند إلى القانون والأدلة والحياد، بحيث يكون الحكم، أياً كانت نتيجته، نتاج عملية قضائية يمكن الدفاع عن نزاهتها أمام الضحايا والمتهمين والمجتمع على حد سواء.