تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الرابعة من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”
المنعقدة بتاريخ 23 حزيران/يونيو 2026 في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
انعقدت بتاريخ 23 حزيران/يونيو 2026 الجلسة الرابعة من محاكمة عاطف نجيب وعدد من المتهمين الغائبين أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في إطار القضية المرتبطة بالانتهاكات التي شهدتها محافظة درعا خلال المرحلة الأولى من عام 2011.
وشكلت الجلسة تحولًا مهمًا في مسار المحاكمة، إذ انتقلت القضية بصورة أكثر وضوحًا من مرحلة استجواب المتهم ومناقشة أقواله إلى مرحلة الإثبات من خلال الاستماع المباشر إلى شهود الحق العام، بمن فيهم أشخاص كانوا قاصرين وقت الوقائع وآخرون تحدثوا عن الاعتقال والتعذيب وإطلاق النار على المدنيين والأحداث التي شهدها المسجد العمري ومحيطه.
كما تضمنت الجلسة شهادة محمية الهوية مرتبطة بادعاءات عن تعرض صاحبها للتعذيب والعنف الجنسي أثناء الاحتجاز، الأمر الذي أضفى على الإجراءات أهمية حقوقية إضافية من حيث حماية الضحايا والشهود وضمان حق الدفاع في الوقت ذاته.
بدأت الإجراءات قرابة الساعة الحادية عشرة صباحًا، بعد إحضار المتهم عاطف نجيب إلى قاعة المحكمة بحضور محاميه. وأشارت هيئة المحكمة في مستهل الجلسة إلى أن المتهم سبق أن مُنح خلال الجلسة السابقة مساحة واسعة لعرض موقفه والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالقضية، فأكد تمسكه بأقواله السابقة.
وقد عُقد الجزء المتعلق بسماع الشهود بصورة مغلقة، مع تقييد التغطية الإعلامية وعدم بث الإفادات للجمهور، في ظل وجود شهود محميين ومعلومات تتصل بوقائع شديدة الحساسية.
ومع بدء مرحلة الإثبات الشفهي، اتبعت المحكمة إجراءً تمهيديًا قبل سماع الشهادات، تمثل في التحقق من معرفة كل شاهد بالمتهم ومن وجود أو عدم وجود علاقة سابقة أو خصومة شخصية يمكن أن تكون ذات صلة بتقييم شهادته، ثم جرى تحليف الشهود اليمين القانونية قبل الإدلاء بأقوالهم.
شهادات مرتبطة باعتقال أطفال درعا
احتلت قضية الأطفال الذين اعتُقلوا بعد كتابة شعارات مناهضة للسلطة على جدران مدينة درعا مساحة مهمة من الجلسة الرابعة، إذ استمعت المحكمة إلى عدد من الأشخاص الذين كانوا في سن الطفولة أو المراهقة عندما وقعت أحداث عام 2011.
وتقاطعت هذه الإفادات حول تعرض عدد من القاصرين للتوقيف بواسطة دوريات شاركت فيها جهات أمنية متعددة، قبل نقلهم بين مراكز احتجاز وأفرع أمنية مختلفة.
وتضمنت الشهادات ادعاءات بتعرض المحتجزين منذ المراحل الأولى من توقيفهم لضرب شديد وأساليب مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة، إلى جانب احتجازهم في ظروف قاسية وعدم معرفتهم بصورة واضحة بالإجراءات المتخذة بحقهم.
وتحدث بعض الشهود عن إجبارهم على وضع بصماتهم على أوراق لم يعرفوا مضمونها، في حين أشار بعضهم إلى أنهم لم يكونوا قادرين في ذلك الوقت على القراءة أو الكتابة بما يسمح لهم بمعرفة محتوى الوثائق التي طلب منهم التوقيع أو البصم عليها.
وكان من أبرز المسائل التي حاولت المحكمة استجلاءها تحديد طبيعة علاقة عاطف نجيب شخصيًا باحتجاز الأطفال ومعاملتهم.
فقد تضمنت بعض الإفادات ادعاءات بأن الشهود شاهدوا المتهم خلال فترة الاحتجاز أو أثناء وجودهم في أماكن تابعة للأمن السياسي، في حين ذهبت إفادات أخرى إلى أبعد من ذلك ونسبت إليه الحضور أثناء عمليات استجواب أو تعذيب.
كما أفاد أحد الشهود بأن المتهم طلب من مجموعة من الأطفال التعهد بعدم المشاركة في المظاهرات، قبل إعادتهم إلى أماكن الاحتجاز.
وعند مواجهة المتهم بهذه الإفادات، رفض مضمونها وتمسك بإنكاره مسؤوليته عن أعمال التعذيب أو مشاركته الشخصية فيها.
وتبرز أهمية هذه الشهادات في أنها لا تقتصر على إثبات واقعة اعتقال الأطفال من حيث المبدأ، وإنما تحاول تحديد مسار احتجازهم والجهات التي تولت التعامل معهم، ومدى ارتباط فرع الأمن السياسي الذي كان يرأسه عاطف نجيب بالوقائع المنسوبة إلى الأجهزة الأمنية.
وفي الوقت ذاته، فإن اختلاف التفاصيل بين الشهادات وطبيعة معرفة كل شاهد تفرض على المحكمة التعامل معها بصورة فردية وعدم افتراض أن جميعها تتمتع بالقيمة الإثباتية ذاتها.
شهادات التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز
انتقل جانب آخر من الجلسة إلى سماع شهادات أشخاص قالوا إنهم تعرضوا للاعتقال والتعذيب داخل مراكز أمنية في محافظة درعا أو أثناء نقلهم بين جهات أمنية مختلفة.
وتناولت الإفادات صورًا متعددة من المعاملة القاسية أثناء الاستجواب، من بينها الضرب الشديد والصعق الكهربائي والإيذاء الجسدي واستخدام وسائل أخرى من التعذيب.
كما تحدث بعض الشهود عن نقلهم من مركز احتجاز إلى آخر، وعن عدم معرفتهم في أحيان كثيرة بالجهة التي كانت تتولى التحقيق معهم، بسبب تعصيب أعينهم أو تعدد الأجهزة الأمنية التي شاركت في عمليات القبض والنقل والاستجواب.
وتضمنت إحدى الإفادات ادعاءً بأن التعذيب أدى إلى تدهور صحي خطير استوجب نقل صاحب الشهادة إلى منشأة طبية، قبل أن يفرج عنه في وقت لاحق.
وتكشف هذه الإفادات عن أحد التحديات الأساسية التي تواجه المحكمة في هذه القضية، وهو تعدد الأجهزة الأمنية التي كانت تعمل في المحافظة، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤولية الفردية عن كل واقعة مسألة تحتاج إلى تحليل يتجاوز مجرد إثبات أن الانتهاك وقع.
فإذا ثبت أن شخصًا تعرض للتعذيب، يبقى على المحكمة تحديد الجهة التي احتجزته، والأشخاص الذين مارسوا الأفعال بحقه، وطبيعة العلاقة بينهم وبين المتهم، وما إذا كان هناك دليل على حضوره أو إصداره التعليمات أو علمه بما يجري.
وقد استمر عاطف نجيب في رفض الإفادات التي نسبت إليه حضورًا شخصيًا أو دورًا مباشرًا في عمليات التعذيب.
أحداث المسجد العمري وإطلاق النار على المدنيين
شكلت الأحداث المرتبطة بالمسجد العمري ومحيطه محورًا ثانيًا مهمًا في شهادات الجلسة.
وتحدث عدد من الشهود عن الاحتجاجات والاعتصامات التي شهدتها المنطقة للمطالبة بالإفراج عن الأطفال المعتقلين، وعن الإجراءات الأمنية التي سبقت اقتحام المسجد أو تزامنت معه.
وتضمنت بعض الشهادات روايات عن سماع إطلاق نار ومشاهدة انتشار أمني واستخدام القوة ضد أشخاص كانوا موجودين في محيط المسجد.
كما جرى الحديث عن سقوط قتلى وجرحى ومحاولات لنقل المصابين، وعن صعوبات واجهتها سيارات الإسعاف أو الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى مواقع الإصابات.
إلا أن القيمة الإثباتية للشهادات المتعلقة بهذه الأحداث لم تكن واحدة.
فبعض الشهود تحدث عن وقائع قال إنه شاهدها بنفسه، في حين أوضح آخرون صراحة أنهم لم يشاهدوا عاطف نجيب في الموقع الذي وقع فيه إطلاق النار.
وفي حالات أخرى، تضمنت الإفادات معلومات منقولة عن أشخاص آخرين أو استنتاجات حول الجهة التي كانت مسؤولة عن اتخاذ القرار الأمني.
وتضمن جزء من الشهادات اتهامات أكثر مباشرة، إذ نسب أحد الشهود إلى عاطف نجيب إعطاء أوامر بإطلاق النار ومنع سيارات الإسعاف من الوصول إلى أحد المواقع، وقال إنه شاهده في المكان المرتبط بالواقعة.
ونفى المتهم مسؤوليته عن ذلك وتمسك بموقفه السابق بأن أجهزة أمنية متعددة كانت تعمل في المحافظة، وأنه لم يصدر أوامر بإطلاق النار على المدنيين.
ويجعل هذا التباين بين الروايات من الضروري عدم جمع جميع الإفادات المتعلقة بأحداث المسجد العمري ضمن كتلة إثباتية واحدة، بل تحديد أي منها يقوم على مشاهدة مباشرة وأي منها يستند إلى معلومات منقولة أو استنتاج شخصي.
مسألة النفوذ وسلسلة القيادة الأمنية
لم تقتصر الشهادات على الأفعال المباشرة، بل تناول عدد منها موقع عاطف نجيب داخل البنية الأمنية في محافظة درعا.
ووصف بعض الشهود المتهم بأنه كان يتمتع بنفوذ واسع يفوق في نظرهم حدود رئاسة فرع أمني واحد، وربط بعضهم ذلك بصلته العائلية ببشار الأسد.
كما قدمت بعض الإفادات تصورًا مفاده أن للأمن السياسي دورًا بارزًا في توجيه عمل بقية الأجهزة الموجودة في المحافظة.
إلا أن هذه الأقوال تمثل، من الناحية الإثباتية، تقييمًا لطبيعة النفوذ الذي كان يمارسه المتهم ولا تشكل بمفردها إثباتًا للهيكل الفعلي للقيادة.
ويتطلب تحديد هذه المسألة الرجوع إلى الهيكل الإداري والأمني الرسمي، وسلاسل إصدار الأوامر، والوثائق والمراسلات، وطبيعة العلاقات العملية بين الأمن السياسي والأمن العسكري وأمن الدولة والشرطة وغيرها من الأجهزة الموجودة في درعا آنذاك.
واستمعت المحكمة في هذا السياق إلى شهادة شخص سبق أن عمل ضمن جهاز الشرطة وتحدث عن زيارة لوزير الداخلية إلى محافظة درعا بعد بدء الاحتجاجات.
وبحسب شهادته، توجه الوزير إلى مقر الأمن السياسي، ثم غادر بعد ذلك باتجاه دمشق مع عاطف نجيب.
أما المعلومات المتعلقة بسبب الزيارة أو وجود خلاف بين المتهم ومسؤولين في دمشق، فقد أوضح الشاهد أن جزءًا منها وصل إليه عن طريق أشخاص آخرين ولم يكن نتيجة حضوره الشخصي للاجتماع.
وهذه النقطة مهمة في تقييم الشهادة، لأنها تميز بين ما شاهده الشاهد مباشرة وبين المعلومات التي تلقاها من أطراف أخرى.
شهادة مرتبطة باستخدام الإعلام الرسمي
كما استمعت المحكمة إلى إفادة شخص اعتُقل خلال مظاهرة في آذار/مارس 2011 وأصيب أثناء الأحداث، وانتشرت في حينه معلومات تفيد بمقتله.
وتحدث الشاهد عن تصويره في مرحلة لاحقة بهدف إثبات أنه لا يزال حيًا، وقال إن التصوير جرى داخل مكتب عاطف نجيب وبحضور أشخاص آخرين.
وبحسب إفادته، كانت آثار المعاملة التي تعرض لها ظاهرة عليه، واتخذت إجراءات لإخفاء بعضها قبل تصوير المادة التي استخدمت لاحقًا في الإعلام الرسمي.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية مختلفة عن شهادات إطلاق النار أو التعذيب، إذ يمكن أن تكون ذات صلة بتحديد وجود المتهم في مكان معين وفي توقيت معين، فضلًا عن السياق الذي تعاملت فيه السلطات مع المعلومات المتعلقة بالاعتقال والانتهاكات.
كما عرضت المحكمة خلال مناقشة هذه الإفادة مادة مرئية ذات صلة ببحث أفراد أسرة الشاهد عنه أثناء احتجازه. وعند مواجهة المتهم بمضمون الشهادة، رفضها.
الشهادة المتعلقة بالعنف الجنسي أثناء الاحتجاز
شهدت الجلسة الاستماع إلى شخص أخفيت هويته واتخذت إجراءات خاصة لحمايته أثناء المثول أمام المحكمة.
وتحدث الشاهد عن اعتقاله في آذار/مارس 2011 ونقله إلى فرع الأمن السياسي في درعا، حيث قال إنه تعرض للتعذيب وانتهاك جنسي أثناء الاحتجاز.
ووفق إفادته، كان عاطف نجيب موجودًا في الفرع خلال مرحلة من مراحل استجوابه، وأن المتهم سأله عن دوره في المظاهرات.
إلا أن الشهادة تضمنت تمييزًا جوهريًا فيما يتعلق بالفعل الجنسي ذاته؛ فعندما استوضح رئيس المحكمة من الشاهد ما إذا كان قد رأى عاطف نجيب أثناء وقوع الاعتداء، لم ينسب إليه تنفيذ الفعل شخصيًا، وإنما قال إن عناصر تابعين للفرع هم الذين ارتكبوه.
ويكتسب هذا التفصيل أهمية قانونية واضحة، لأنه يفصل بين ادعاء وجود المسؤول في مكان الاحتجاز وبين إثبات مسؤوليته الشخصية عن فعل محدد.
ولا ينفي وجود هذا الفارق إمكان بحث أشكال أخرى من المسؤولية إذا قدمت أدلة بشأن إصدار الأوامر أو العلم أو السيطرة الفعلية، لكنه يمنع الخلط بين ما شهد عليه الضحية مباشرة وما قد يستخلص لاحقًا من أدلة أخرى.
وقد بدا التأثر النفسي على الشاهد أثناء حديثه عن الانتهاك، وهو ما سلط الضوء على الحاجة إلى إدارة مثل هذه الإفادات بأسلوب يراعي خصوصية ضحايا العنف الجنسي ويحميهم من إعادة الإيذاء أثناء الإجراءات القضائية. ونفى المتهم مضمون الإفادة فيما يتعلق بمسؤوليته.
ما تكشفه الجلسة عن طبيعة ملف الإثبات
تكشف مجريات الجلسة الرابعة أن ملف الإثبات في القضية لا يقوم على نوع واحد من الأدلة.
فقد استمعت المحكمة إلى ضحايا قالوا إنهم عايشوا الاعتقال والتعذيب بصورة مباشرة، وإلى شهود تحدثوا عن أحداث إطلاق النار، وإلى أشخاص قدموا معلومات تتصل بالبنية الأمنية أو بتحركات مسؤولين، إضافة إلى شهادات تضمنت أجزاء منقولة عن أطراف أخرى.
كما أن درجة ارتباط كل شهادة بعاطف نجيب كانت متفاوتة.
فبعض الشهادات نسبت إليه الحضور في موقع معين، وبعضها نسبت إليه قولًا أو أمرًا محددًا، بينما لم يتمكن شهود آخرون من وضعه شخصيًا في مكان الواقعة رغم شهادتهم على وقوع الانتهاك نفسه.
وهذا التفاوت يمثل عنصرًا جوهريًا في تقييم الأدلة، لأن إثبات وقوع جريمة لا يساوي بالضرورة إثبات مسؤولية متهم معين عنها.
ومن ثم يتعين على المحكمة عند تكوين قناعتها النهائية أن تفصل بين ثلاثة مستويات: ثبوت الواقعة الأصلية، وتحديد مرتكب الفعل أو الجهة التي نفذته، ثم بيان الأساس الذي يربط المتهم بذلك الفعل.
موقف المتهم من الشهادات
اتسم موقف عاطف نجيب خلال الجلسة بالاستمرار في الإنكار الذي تبناه منذ المراحل السابقة من المحاكمة.
وعقب الشهادات التي واجهته المحكمة بها، رفض المتهم ما نسب إليه من حضور أثناء التعذيب أو إصدار أوامر بإطلاق النار أو المسؤولية عن الانتهاكات الواردة في إفادات الشهود.
ولم يغير سماع الشهادات موقفه الأساسي من الاتهامات، إذ ظل متمسكًا بروايته السابقة بشأن حدود صلاحياته ودور الأجهزة الأمنية الأخرى في المحافظة.
ويشكل هذا الإنكار جزءًا مشروعًا من ممارسة حق الدفاع، وتقع على جهة الاتهام مسؤولية تقديم الأدلة الكافية لإثبات المسؤولية الجنائية دون إلزام المتهم بإثبات براءته.
ختام الجلسة
بعد استكمال الجزء المخصص لسماع الشهادات، قررت المحكمة تأجيل النظر في الدعوى لمواصلة مرحلة الإثبات والاستماع إلى شهود إضافيين.
ورُفعت الجلسة قرابة الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وحددت المحكمة يوم 14 تموز/يوليو 2026 عند الساعة الحادية عشرة صباحًا موعدًا للجلسة التالية.
وبذلك انتهت الجلسة الرابعة بعد أن أصبحت شهادة الضحايا والشهود محورًا رئيسيًا في المحاكمة، مع بقاء عدد آخر من الشهود مقررًا الاستماع إليهم في الجلسات التالية.
التقييم الحقوقي والقانوني
تمثل الجلسة الرابعة مرحلة أساسية في تقييم عدالة المحاكمة، لأنها شهدت تقديم أدلة شفهية يمكن أن يكون لها تأثير مباشر في تحديد المسؤولية الجنائية للمتهمين.
ويُعد تمكين الضحايا والشهود من تقديم إفاداتهم أمام القضاء تطورًا مهمًا في مسار المساءلة، خصوصًا في قضية تتعلق بانتهاكات ظلت لسنوات طويلة خارج نطاق التحقيق القضائي الوطني الفعال.
إلا أن القيمة الحقوقية لهذه الخطوة ترتبط بمدى التزام المحكمة بقواعد الإثبات وضمانات الدفاع، وليس بمجرد إتاحة المجال أمام الشهادة.
التمييز بين وقوع الانتهاك والمسؤولية الفردية
من أبرز المسائل التي أظهرتها الجلسة ضرورة الفصل بين إثبات وقوع الانتهاك وبين إثبات مسؤولية عاطف نجيب عنه.
فقد تضمنت بعض الشهادات روايات تفصيلية عن التعذيب والاعتقال وإطلاق النار، إلا أن بعض أصحابها لم يشاهدوا المتهم شخصيًا أثناء الوقائع.
وفي المقابل، نسبت شهادات أخرى إليه حضورًا مباشرًا أو إصدار أوامر.
ويفرض هذا الاختلاف على المحكمة تقييم كل ادعاء بصورة منفصلة، وعدم اعتبار ثبوت الانتهاك بحد ذاته دليلًا كافيًا على مسؤولية أي مسؤول أمني كان يشغل منصبًا قياديًا في المحافظة.
الشهادة المباشرة والمعلومات المنقولة
أظهرت الجلسة بوضوح وجود تداخل في بعض الإفادات بين المشاهدة الشخصية والمعلومات التي تلقاها الشاهد من أشخاص آخرين.
ويجب أن ينعكس هذا الاختلاف في الوزن الذي تمنحه المحكمة لكل جزء من الشهادة.
فالشخص الذي يشاهد واقعة بنفسه يختلف موقعه الإثباتي عن شخص ينقل ما سمعه عنها، حتى عندما يكون ما ينقله ذا قيمة في فهم السياق العام.
كما ينبغي ألا يؤدي تعدد الشهود إلى مضاعفة القوة الإثباتية للمعلومة ذاتها إذا تبين أن مصدرها الأصلي واحد.
شهادات من كانوا أطفالًا وقت الأحداث
تستوجب الإفادات المقدمة من أشخاص كانوا قاصرين عند وقوع الأحداث معاملة خاصة من الناحية الحقوقية.
فمن جهة، يشكل مرور الأطفال بتجربة الاعتقال والتعذيب عاملًا يستدعي توفير الحماية والاحترام وتجنب إعادة إحداث الصدمة.
ومن جهة أخرى، يتطلب مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على الوقائع تحليل الذاكرة الشخصية وربط الإفادات قدر الإمكان بالأدلة المعاصرة للأحداث، مثل سجلات التوقيف والتحويل والوثائق الرسمية والتقارير الطبية والصور والمواد المرئية.
ولا ينبغي استخدام مرور الزمن أو صغر سن الضحية وقت الواقعة بصورة تلقائية لنفي شهادته، كما لا ينبغي في المقابل إعفاء الشهادة من التدقيق بسبب طبيعة الانتهاكات المدعى بها.
العنف الجنسي وحماية الضحايا
تمثل شهادة الشخص الذي تحدث عن العنف الجنسي أحد أكثر جوانب الجلسة حساسية.
ويشكل إخفاء هويته عن الجمهور تدبيرًا يمكن تبريره لحماية خصوصيته وسلامته والحد من الوصمة أو الانتقام.
إلا أن تدابير حماية الشهود يجب أن توازن باستمرار بين مصلحة الضحية وحقوق الدفاع.
فيمكن حجب هوية الشخص عن الإعلام أو الجمهور عندما تكون هناك أسباب جدية، بينما ينبغي ألا يُحرم الدفاع من القدر اللازم من المعلومات الذي يمكنه من اختبار صحة الإفادة ومناقشة عناصرها الجوهرية وفق الإجراءات القانونية.
كما ينبغي ألا تمتد الأسئلة المتعلقة بالعنف الجنسي إلى تفاصيل غير لازمة للإثبات، وأن تدار الشهادة بطريقة تقلل من خطر إعادة إيذاء الضحية نفسيًا.
علنية المحاكمة
يثير عقد جلسة سماع الشهود بصورة مغلقة مسألة جوهرية تتعلق بمبدأ علنية المحاكمات.
ولا تعد العلنية حقًا مطلقًا، إذ يمكن تقييدها لحماية الضحايا والشهود والخصوصية وسلامة الإجراءات.
غير أن الأصل يجب أن يبقى العلنية، والاستثناء هو الإغلاق.
ولذلك ينبغي أن يكون أي قرار بتقييد الحضور أو البث قائمًا على ضرورة واضحة ومتناسبًا مع الخطر القائم، وأن يقتصر قدر الإمكان على الأجزاء الحساسة من الجلسة بدل أن يتحول الإغلاق الكامل إلى قاعدة عامة.
ويكتسب وجود مراقبين حقوقيين مستقلين أهمية خاصة في الجلسات المغلقة، لما يوفره من مستوى إضافي من الرقابة على احترام حقوق الأطراف.
حق الدفاع ومواجهة الشهود
لا يكتمل احترام حق الدفاع بمجرد سؤال المتهم في ختام كل شهادة عما إذا كان يقبلها أو ينكرها.
فالحق الفعلي في الدفاع يتطلب تمكين محاميه من الاطلاع على الإفادات السابقة للشاهد، ومعرفة الأدلة المرتبطة بها، وطرح الأسئلة التي تساعد على اختبار المصداقية، وإبراز التناقضات المحتملة، وتقديم أدلة مضادة.
ويجب بصورة خاصة ضمان هذه الحقوق عندما تكون شهادة الشخص إحدى الأدلة الرئيسية التي يمكن أن تستند إليها المحكمة لإثبات فعل مباشر ضد المتهم.
المسؤولية القيادية
أثارت عدة شهادات ادعاءات تتعلق بالمكانة والنفوذ اللذين كان يتمتع بهما عاطف نجيب في درعا.
غير أن المسؤولية الجنائية لا تقوم على النفوذ أو المنصب أو القرابة السياسية وحدها.
ويجب التمييز بين المسؤولية عن فعل ارتكبه المتهم بنفسه، والمسؤولية الناشئة عن أمر أصدره، والمسؤولية التي يمكن أن تنشأ بسبب السيطرة الفعلية على مرؤوسين ارتكبوا جرائم.
فإذا اعتمدت المحكمة على فكرة المسؤولية القيادية، يجب عليها تحديد الأساس القانوني لذلك، وإثبات وجود علاقة فعلية تسمح للمتهم بالسيطرة على مرتكبي الانتهاكات، فضلًا عن العناصر الأخرى اللازمة للمسؤولية.
كما أن تعدد الأجهزة الأمنية في درعا يجعل من الضروري عدم افتراض وجود سلطة موحدة دون أدلة على طبيعة التنسيق وسلسلة إصدار الأوامر.
قرينة البراءة والخطاب الرسمي
من الضروري كذلك التمييز بين موقف جهة الادعاء وبين النتيجة التي تتوصل إليها المحكمة.
فالشهادات التي قدمت خلال الجلسة تمثل أدلة إثبات خاضعة للتقييم والمناقشة، ولا تصبح وقائع قضائية ثابتة لمجرد إدراجها في ملف الدعوى.
ومن ثم ينبغي للجهات الرسمية التي تصف تطورات المحاكمة تجنب لغة يمكن أن توحي بأن الشهادات حسمت مسبقًا مسؤولية المتهم قبل انتهاء الدفاع والمرافعات وصدور الحكم.
ويكتسب ذلك أهمية خاصة في قضايا العدالة الانتقالية التي تحظى باهتمام عام واسع وتوجد بشأنها توقعات مجتمعية مرتفعة بتحقيق المساءلة.
التكييف القانوني
تظهر طبيعة الشهادات المقدمة في الجلسة وجود ادعاءات بأفعال بالغة الخطورة، من بينها القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي والعنف الجنسي.
ويمكن أن تشكل هذه الأفعال جرائم بموجب القانون الوطني، كما يمكن أن تدخل ضمن الجرائم ضد الإنسانية إذا ثبتت العناصر السياقية اللازمة لها.
لكن الانتقال إلى توصيف الجرائم الدولية يجب ألا يتم بناءً على خطورة الفعل وحدها، وإنما يتطلب تحديد القاعدة القانونية المطبقة وإثبات عناصر الجريمة والسياق الأوسع الذي وقعت فيه.
كما تستمر الإشكالية المتعلقة بتوصيف بعض الوقائع الواقعة في الأشهر الأولى من عام 2011 باعتبارها جرائم حرب، بالنظر إلى ضرورة إثبات وجود نزاع مسلح وصلة بين الجريمة المدعى بها وذلك النزاع في الزمان والمكان محل الاتهام.
التوصيات
في ضوء مجريات الجلسة الرابعة، يوصى باستمرار سماع شهود الحق العام ضمن إجراءات تكفل للضحية الإدلاء بشهادته بصورة آمنة، وفي الوقت ذاته تمنح الدفاع فرصة حقيقية وفعالة لمناقشة الإفادة.
وينبغي للمحكمة في تقييمها النهائي التمييز بصورة واضحة بين المشاهدة المباشرة والمعلومات السماعية والاستنتاج الشخصي، وبيان الوزن الذي منحته لكل منها.
كما يوصى بالعمل على دعم شهادات الضحايا والشهود، متى أمكن، بأدلة مستقلة من قبيل الوثائق الأمنية وسجلات الاعتقال والتحويل والتقارير الطبية والصور والمواد السمعية والبصرية.
وينبغي أيضًا التمييز في الحكم بصورة دقيقة بين ثبوت وقوع الانتهاكات وبين ثبوت مسؤولية كل متهم عنها، وتحديد الأساس الذي يربط الفعل بالشخص محل الاتهام.
وفيما يتعلق بمن كانوا أطفالًا وقت الوقائع، يوصى باستخدام إجراءات تراعي طبيعة الصدمة التي تعرضوا لها والمرحلة العمرية التي كانوا فيها، مع تجنب الأسئلة غير الضرورية أو التي قد تؤدي إلى إعادة الإيذاء.
كما ينبغي توفير نظام متكامل لحماية شهود العنف الجنسي، يشمل سرية الهوية والدعم النفسي ومنع الترهيب أو الانتقام، مع الحفاظ على الحد الأدنى الضروري من حقوق الدفاع في الوصول إلى الأدلة ومناقشتها.
وفيما يتعلق بعلنية المحاكمة، ينبغي ألا يمتد الإغلاق إلى كامل الجلسة إلا عندما تكون هناك ضرورة فعلية لذلك، وأن تنظر المحكمة في إمكان قصر القيود على الأجزاء المرتبطة بالشهادات المحمية.
كما يوصى بنشر ملخصات قضائية رسمية ومحايدة للأجزاء التي تُحجب عن الجمهور، مع إزالة البيانات التي قد تسمح بالتعرف على الشهود.
وينبغي على المحكمة والنيابة العامة والجهات الرسمية الأخرى المحافظة في اتصالاتها العامة على قرينة البراءة، وتجنب استخدام عبارات تقدم الأدلة باعتبارها حاسمة قبل انتهاء الإجراءات.
كما يوصى بأن توضح المحكمة بصورة دقيقة في حكمها أي شكل من أشكال المسؤولية الجنائية تعتمد عليه، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية القيادية أو بإصدار الأوامر أو بأفعال ارتكبها عناصر تابعون لأجهزة أمنية مختلفة.
وتؤكد الجلسة أيضًا أهمية تطوير منظومة وطنية متخصصة لحماية الشهود والضحايا في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بحيث تشمل الحماية الجسدية والخصوصية والدعم النفسي والحماية من الانتقام.
وعلى المستوى التشريعي، تظل الحاجة قائمة إلى تطوير التشريع الجنائي السوري بما يتضمن تعريفات واضحة للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والاختفاء القسري والعنف الجنسي وغيره من الجرائم الدولية، مع تحديد أنماط المسؤولية الجنائية بصورة تتفق مع مبدأ الشرعية.
وفي المحصلة، مثلت الجلسة الرابعة مرحلة نوعية في المحاكمة، لأنها نقلت تجربة عدد من الضحايا والشهود من ملفات التحقيق المكتوبة إلى قاعة المحكمة، وأتاحت للمحكمة الاستماع مباشرة إلى روايات تتعلق ببعض أكثر الوقائع حساسية في أحداث درعا عام 2011.
وقد كشفت الجلسة، في الوقت ذاته، عن تعقيد ملف الإثبات؛ إذ لم تكن جميع الشهادات متساوية في درجة اتصالها بالمتهم أو في طبيعة المعرفة التي يستند إليها أصحابها. فبعض الإفادات نسبت إليه أفعالًا أو حضورًا مباشرًا، بينما أثبتت شهادات أخرى وقوع انتهاكات دون أن يستطيع أصحابها تحديد وجوده في مكانها.
وهذا التباين يجب ألا ينظر إليه باعتباره ضعفًا بالضرورة، بل باعتباره جزءًا طبيعيًا من عملية قضائية هدفها فرز الأدلة وتمييز ما هو مباشر مما هو منقول، وما يثبت وقوع الجريمة مما يثبت المسؤولية الفردية عنها.
كما أن الاستماع إلى أشخاص كانوا أطفالًا وقت وقوع الانتهاكات وإلى ضحية تحدث عن عنف جنسي يعطي الجلسة أهمية كبيرة من منظور حق الضحايا في الوصول إلى العدالة وإسماع أصواتهم. إلا أن مركزية الضحية في العدالة الانتقالية يجب أن تتكامل مع ضمان حقوق الدفاع وقرينة البراءة وقواعد الإثبات.
فالمحاكمة التي تحقق العدالة لا تكتفي بفتح أبواب القضاء أمام الضحايا، وإنما توفر كذلك آلية مستقلة لفحص الروايات والأدلة، وتمكين الدفاع من اختبارها، ثم إصدار حكم مسبب يوضح لماذا قبلت المحكمة دليلًا ورفضت آخر وكيف توصلت إلى المسؤولية الفردية لكل متهم.
ويظل نجاح هذه المحاكمة مرتبطًا بقدرتها على الجمع بين هدفين متلازمين: إنصاف الضحايا ومحاسبة من تثبت مسؤوليته من جهة، وبناء نموذج قضائي مستقل وعادل يحترم حقوق المتهمين من جهة أخرى. ولا ينبغي النظر إلى هذين الهدفين باعتبارهما متعارضين؛ فاحترام المحاكمة العادلة هو ما يمنح المساءلة قوتها وشرعيتها ويحولها من مجرد إجراء عقابي إلى خطوة حقيقية في مسار بناء دولة القانون.