تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الثانية من المحاكمة العلنية للمتهم “عاطف نجيب” وعدد من الفارين المتهمين “غيابياً”

المنعقدة في 10 ايار 2026                          في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة

مؤسسة حَقّي

انعقدت بتاريخ 10 أيار/مايو 2026 الجلسة الثانية لمحاكمة المتهم عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في إطار الدعوى المرتبطة بالانتهاكات المرتكبة خلال أحداث درعا عام 2011، والتي تُعد من أكثر القضايا أهمية وحساسية في سياق مسار العدالة والمساءلة في سوريا. وقد خُصصت الجلسة لاستجواب المتهم وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، وهي مرحلة إجرائية أساسية في المحاكمة الجنائية، تهدف إلى مواجهة المتهم بالوقائع والأدلة والتهم المنسوبة إليه، وتمكينه من تقديم دفوعه وأقواله والرد على ما ورد في ملف الدعوى، بما ينسجم مع مبادئ المحاكمة العادلة وحق الدفاع.

وتحمل هذه المحاكمة أهمية استثنائية في السياق السوري، ليس فقط بسبب طبيعة الجرائم المنسوبة إلى المتهمين، وإنما أيضاً بسبب الرمزية القانونية والسياسية لانعقاد محاكمة علنية بحق مسؤولين أمنيين وسياسيين كانوا يُنظر إليهم لعقود طويلة باعتبارهم بمنأى عن أي مساءلة قضائية. ويرى كثير من الحقوقيين السوريين أن مجرد انتقال الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها سوريا من دائرة الإنكار أو الإفلات من العقاب إلى دائرة النقاش القضائي العلني يمثل تطوراً مهماً يمكن البناء عليه مستقبلاً في إطار أي مسار جدي للعدالة الانتقالية وسيادة القانون. كما أن انعقاد هذه المحاكمات أمام قضاء مدني نظامي، وليس أمام محاكم استثنائية أو أمنية، يشكل بحد ذاته مؤشراً إيجابياً يبعث على الأمل بإمكانية استعادة دور القضاء الطبيعي بعد عقود من التسييس والتدخلات الأمنية.

وبحسب ما تم رصده خلال الجلسة، بدأت المحكمة بتثبيت حضور المتهم عاطف نجيب شخصياً، مقابل تثبيت غياب بقية المتهمين المطلوبين والفارين، وهم: بشار حافظ الأسد، وماهر حافظ الأسد، وفهد جاسم الفريج، ومحمد أيمن عيوش، ولؤي علي العلي، وقصي المهيوب، ووفيق صالح ناصر، وطلال فارس العيسمي. وبعد المناداة على المتهمين الغائبين والتأكد من عدم حضورهم، قررت المحكمة متابعة السير بالدعوى بحقهم غيابياً وفقاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري المتعلقة بمحاكمة الفارين من وجه العدالة.

وعقب ذلك، انتقلت المحكمة إلى تلاوة قرار الاتهام والوقائع الأساسية محل الدعوى، حيث عرضت النيابة العامة الاتهامات المتعلقة بـ الاعتقالات التعسفية والتعذيب واستخدام القوة المفرطة وإطلاق النار على المدنيين والمتظاهرين السلميين خلال أحداث درعا عام 2011، مع الإشارة إلى المسؤوليات المنسوبة لكل متهم تبعاً لموقعه الأمني أو الإداري خلال تلك المرحلة. كما اعتبر الادعاء العام أن الوقائع المنسوبة للمتهمين تشكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وقد ترقى، وفق توصيفه، إلى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.

وخلال الجلسة، طلب الادعاء العام متابعة الإجراءات بحق المتهمين الفارين واتخاذ التدابير القانونية المرتبطة بحالة الفرار، وهو ما استجابت له المحكمة بإعلان تجريد المتهمين الغائبين من حقوقهم المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الدولة باعتبارها إجراءات احترازية يجيزها القانون السوري بحق المتهمين الفارين في الجنايات الكبرى. كما قررت المحكمة تثبيت استمرار المحاكمة بحقهم غيابياً، مع الإبقاء على مذكرات التبليغ والملاحقة القضائية النافذة بحقهم.

وفي مرحلة لاحقة، تلا رئيس المحكمة ملخص الاتهامات الموجهة إلى عاطف نجيب، مشيراً إلى أن الأفعال المنسوبة إليه، بالاشتراك مع بقية المتهمين الغائبين، تتعلق بارتكاب انتهاكات شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي واستخدام القوة ضد المدنيين، إضافة إلى مسؤوليته القيادية بصفته رئيس فرع الأمن السياسي في درعا خلال تلك المرحلة، وما يرتبط بذلك من اتهامات بإصدار أوامر مباشرة تتعلق بالاعتقال واستخدام القوة أثناء قمع الاحتجاجات.

كما استمعت المحكمة إلى استجواب أولي للمتهم، وإلى عدد من الإفادات والشهادات المرتبطة بالقضية، قبل أن تقرر وقف البث المباشر وإخراج وسائل الإعلام خلال بعض مراحل الاستماع إلى الشهود، مبررة ذلك بالحفاظ على سرية بعض الإجراءات وضمان حسن سير المحاكمة. وشهدت الجلسة حضور عدد من المحامين والحقوقيين وذوي الضحايا وممثلين عن جهات معنية بمسار العدالة الانتقالية، ما أضفى على المحاكمة بعداً حقوقياً وقانونياً واسعاً.

وفي ختام الجلسة، قررت المحكمة تأجيل النظر في الدعوى إلى موعد لاحق الثلاثاء 19 ايار 2026 لاستكمال الإجراءات وسماع المزيد من المرافعات والشهادات ومتابعة دراسة ملف القضية، مع استمرار السير بالمحاكمة بحق المتهمين الغائبين وفقاً للقواعد الناظمة للمحاكمات الغيابية.

اطلاق مسار العدالة الانتقالية بشكل حقيقي يعطي الامل بآن سوريا المستقبل لن تكون مسرحاً للافلات من العقاب وستعمل على انصاف الضحايا وذويهم، ورغم الأهمية الرمزية والقانونية لانطلاق هذا المسار القضائي، فإن القضية تطرح في المقابل مجموعة من التحديات القانونية والإجرائية والتشريعية التي تستوجب معالجة دقيقة لضمان نزاهة المحاكمة وتعزيز شرعيتها القانونية والحقوقية.

وفي مقدمة هذه التحديات، تبرز مسألة التكييف القانوني للجرائم الواردة في لائحة الاتهام. إذ يثير توصيف بعض الوقائع باعتبارها “جرائم حرب” نقاشاً قانونياً مهماً، نظراً لأن جريمة الحرب في القانون الدولي الإنساني تفترض وجود نزاع مسلح دولي أو غير دولي كشرط أساسي لقيامها. وبما أن الوقائع موضوع الدعوى تعود إلى مطلع عام 2011، أي إلى مرحلة سابقة على توصيف الحالة السورية كـنزاع مسلح وفق المعايير الدولية، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول مدى سلامة هذا التوصيف قانونياً. وفي المقابل، يبدو أن توصيف الجرائم ضد الإنسانية قد يكون أكثر انسجاماً مع طبيعة الانتهاكات الممنهجة والواسعة التي استهدفت المدنيين خلال تلك المرحلة.

كما تبرز إشكالية قانونية أخرى تتعلق بالأساس القانوني المستخدم في توصيف الجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما الاستناد إلى المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات. فهذه المادة تتعلق بالقواعد الآمرة وبطلان المعاهدات المخالفة لها، لكنها لا تُعد بحد ذاتها أساساً جنائياً مباشراً لتوصيف الجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي يستدعي – من منظور قانوني – الاستناد بصورة أوضح إلى قواعد القانون الدولي العرفي وإلى المبادئ الواردة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية باعتباره المرجع الأكثر تطوراً في تعريف الجرائم الدولية.

ومن التحديات القانونية المهمة أيضاً، غياب بعض الجرائم من لائحة الاتهام رغم ارتباطها المباشر بطبيعة الوقائع المعروضة، وعلى رأسها جريمة الإخفاء القسري وجريمة الاضطهاد كجريمة ضد الإنسانية. فالإخفاء القسري يُعد من أخطر الانتهاكات المحظورة بموجب القواعد الآمرة في القانون الدولي، حتى وإن لم تكن سوريا طرفاً في الاتفاقية الدولية الخاصة به، بينما يرتبط الاضطهاد بحرمان مجموعات أو أفراد من حقوقهم الأساسية لأسباب سياسية أو غيرها، وهو ما قد ينطبق على جزء من الوقائع محل الدعوى.

ويُضاف إلى ذلك تحدٍ تشريعي أساسي يتمثل في أن التشريع السوري لا يتضمن حتى الآن نصوصاً واضحة ومتكاملة تُجرّم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفق الصياغات المعتمدة في القانون الجنائي الدولي، الأمر الذي يثير نقاشاً قانونياً حول مدى انسجام المحاكمة مع مبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”. ولذلك، تبرز الحاجة إلى تطوير التشريعات الوطنية وإدخال تعريفات صريحة لهذه الجرائم ضمن قانون العقوبات السوري.

وفي السياق ذاته، تبرز مسألة عدم تقادم الجرائم الجسيمة باعتبارها من النقاط القانونية الجوهرية في هذه القضية. فالقانون الدولي يعتبر أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، نظراً لطبيعتها الخطيرة وارتباطها بحقوق أساسية للإنسانية جمعاء. غير أن اعتماد القضاء السوري لهذا المبدأ في بعض القضايا دون غيرها قد يثير مستقبلاً إشكاليات تتعلق بازدواجية المعايير أو التسييس، الأمر الذي يستدعي تبني سياسة قضائية وتشريعية واضحة وموحدة في هذا المجال.

كما تبرز تحديات مرتبطة بالمحاكمات الغيابية، إذ إن السير بالمحاكمة بحق متهمين فارين، رغم جوازه قانوناً، يستوجب توفير ضمانات واضحة تتعلق بحق الدفاع وحق إعادة المحاكمة في حال حضور المتهمين مستقبلاً، إضافة إلى ضمان تمكين فرق الدفاع من الوصول إلى الأدلة ومناقشتها بصورة فعالة.

ومن بين النقاط التي تستحق الإشارة الإيجابية أيضاً، أن هذه المحاكمة أعادت طرح مفاهيم مثل المساءلة القضائية، والعدالة الانتقالية، واستقلال القضاء، وحقوق الضحايا داخل النقاش العام السوري، بعد سنوات طويلة من تغييب هذه المفاهيم عن الحياة العامة والقانونية. كما أن وجود نقاش قانوني علني حول التكييف القانوني للجرائم والمعايير الدولية للمحاكمة العادلة يُعد بحد ذاته تطوراً مهماً في الثقافة القانونية السورية، حتى في ظل التحديات الكبيرة التي لا تزال قائمة.

وفي ضوء ما سبق، تبرز مجموعة من التوصيات الأساسية، من بينها ضرورة أن تعمل وزارة العدل السورية على تحديث التشريعات الوطنية بما ينسجم مع القانون الجنائي الدولي، وإدخال نصوص واضحة تُجرّم الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإخفاء القسري، إضافة إلى تبني سياسة قضائية موحدة بشأن عدم تقادم الجرائم الجسيمة.

كما يُوصى بأن تعمل رئاسة محكمة الجنايات الرابعة على تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وحماية قرينة البراءة، وضمان استقلال المحكمة عن أي تأثيرات سياسية أو إعلامية، وتمكين فرق الدفاع من ممارسة حقوقها بصورة كاملة وفعالة.

وفي الإطار التشريعي، تبرز أهمية الدور المنتظر من مجلس الشعب السوري القادم في مراجعة البنية القانونية المتعلقة بالعدالة الانتقالية واستقلال القضاء، والعمل على الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إضافة إلى تطوير التشريعات المتعلقة باستقلال السلطة القضائية ومنع التدخلات السياسية والأمنية في عمل القضاء

وفي المحصلة، فإن هذه المحاكمة، رغم ما يحيط بها من تحديات قانونية وحقوقية، تمثل بداية مهمة في مسار طويل ومعقد نحو إعادة بناء مفهوم العدالة وسيادة القانون في سوريا. ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات القضائية السورية على ترسيخ نموذج قضائي مستقل ومهني يحترم المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، ويؤسس لثقة مجتمعية حقيقية بالقضاء، بما يضمن تحقيق العدالة للضحايا وفي الوقت نفسه احترام حقوق المتهمين وأصول المحاكمات العادلة.

إعداد وتقديم الخبير القانوني المعتصم الكيلاني