تقرير المراقبة الحقوقية للجلسة الأولى من محاكمة “أحمد بدر الدين حسون”

المنعقدة بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2026          في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة

مؤسسة حَقّي

الجلسة العلنية الأولى وافتتاح المحاكمة

أولًا: مقدمة

افتتحت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، في 25 حزيران/يونيو 2026، المحاكمة الحضورية لأحمد بدر الدين حسون، الذي شغل سابقًا منصب مفتي الجمهورية العربية السورية.

اكتسبت الجلسة أهمية خاصة بسبب طبيعة منصب المتهم السابق، وبسبب قيام جانب جوهري من الاتهامات على مساءلة صاحب موقع ديني رسمي عن خطابات وتصريحات وأشكال دعم معنوي وسياسي ومادي نُسبت إليه خلال النزاع السوري.

وتختلف هذه القضية عن الدعاوى التي تتعلق بأشخاص متهمين بالتنفيذ المباشر لأعمال قتل أو تعذيب؛ إذ تتركز المسؤولية المنسوبة إلى حسون، بدرجة أساسية، على التحريض والتشجيع والمساعدة المعنوية، واستغلال صفته الدينية في إضفاء المشروعية على أعمال القوات العسكرية والأمنية والتشكيلات المسلحة الموالية للنظام السابق.

لذلك تمثل المحاكمة اختبارًا مهمًا لكيفية تعامل القضاء السوري مع المسؤولية الجنائية الناشئة عن الخطاب العام والدعم المعنوي، وحدود التمييز بين التعبير السياسي أو الديني، من جهة، والتحريض أو المساهمة الجنائية في ارتكاب الجرائم، من جهة أخرى.

ثانيًا: تشكيل المحكمة والحضور

انعقدت الجلسة أمام محكمة الجنايات الرابعة في قصر العدل بدمشق، برئاسة القاضي فخر الدين مصطفى العريان، وعضوية المستشارين عبد الحميد محمد الحمود وحسام حسين عبد الرحمن.

حضر عن النيابة العامة القاضي عمر محمود الراضي، كما شهدت الجلسة حضور النائب العام للجمهورية القاضي المستشار حسان التربة، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوقية وقانونية محلية ودولية.

ومثل أحمد حسون أمام المحكمة بصورة حضورية، الأمر الذي أتاح، من حيث المبدأ، تلاوة الاتهامات في مواجهته وتمكينه من معرفة الوقائع والأوصاف القانونية المسندة إليه ومناقشتها بواسطة الدفاع.

يشكل حضور المتهم عنصرًا أساسيًا في عدالة الإجراءات، لكنه لا يكفي منفردًا. فالمعيار الحقيقي يتمثل في مدى قدرته العملية على فهم الاتهامات، والاطلاع على الملف، والتشاور مع محاميه، والحصول على الوقت والتسهيلات اللازمة لإعداد دفاعه.

وتؤكد المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حق كل متهم في إبلاغه سريعًا وبالتفصيل بطبيعة التهمة وسببها، وفي الحصول على الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه.

ثالثًا: افتتاح الإجراءات

استُهلت المحاكمة بإثبات حضور أطراف الدعوى وتشكيل الهيئة، ثم انتقلت المحكمة إلى تلاوة لائحة الاتهام وعرض المحاور الأساسية التي تقوم عليها الملاحقة.

وتعد تلاوة الاتهام في الجلسة الأولى إجراءً جوهريًا؛ لأنها تحدد نطاق الوقائع التي ستدور حولها المحاكمة، وتمنع محاكمة المتهم عن وقائع أو أوصاف لم يُبلغ بها أو لم تتح له فرصة الدفاع بشأنها.

وأظهر عرض المحكمة أن القضية لا تقوم على واقعة واحدة محددة، بل على مجموعة واسعة من الأقوال والعلاقات والتصرفات الممتدة خلال سنوات النزاع. وشملت هذه المجموعة:

  • التصريحات الإعلامية والخطب والمحاضرات.
  • العلاقات مع مسؤولين أمنيين وعسكريين.
  • التأييد العلني لضباط وقادة تشكيلات مسلحة.
  • دعم التدخلات العسكرية الأجنبية.
  • التحريض المزعوم على استخدام القوة ضد مناطق وفئات محددة.
  • استغلال منصب الإفتاء لتحقيق منافع شخصية.
  • التدخل لدى الأجهزة الأمنية والقضائية مقابل المال أو الهدايا.
  • تقديم أشكال من الدعم إلى تشكيلات مسلحة موالية للنظام السابق.

هذا الاتساع يفرض على المحكمة واجبًا مشددًا في تفكيك الاتهامات، وتحديد كل واقعة على نحو مستقل، وربطها بدليلها ووصفها القانوني، بدل التعامل مع مجمل النشاط العام للمتهم باعتباره كتلة واحدة تثبت المسؤولية الجنائية.

رابعًا: المحور المتعلق باستغلال المنصب

عرضت المحكمة اتهامًا لأحمد حسون باستغلال منصبه بوصفه مفتيًا للجمهورية لتحقيق مصالح شخصية، وتوسيع دائرة علاقاته خارج الحدود الرسمية التي يقتضيها المنصب.

وتناولت اللائحة علاقاته مع بشار الأسد، ومدير إدارة المخابرات العامة السابق علي مملوك، وعدد من كبار الضباط والمسؤولين العسكريين، إضافة إلى قيادات تشكيلات مسلحة ذات طابع طائفي شاركت في النزاع.

لا تشكل العلاقة مع مسؤول حكومي أو أمني جريمة في ذاتها، حتى عندما يكون ذلك المسؤول متهمًا بارتكاب جرائم جسيمة. ولذلك يجب أن يثبت الادعاء أن هذه العلاقات استخدمت في ارتكاب فعل مجرّم، أو تسهيله، أو الحصول على منفعة غير مشروعة، أو تقديم دعم مؤثر لمرتكبي الجرائم.

كما يتعين التمييز بين العلاقات التي كانت جزءًا من المهام الرسمية لمفتي الجمهورية وبين العلاقات التي تجاوزت مقتضيات المنصب وتحولت، بحسب الاتهام، إلى وسيلة للتدخل أو الحصول على المال أو دعم جهات مسلحة.

خامسًا: المحاضرات الموجهة إلى عناصر الجيش

تناولت لائحة الاتهام محاضرات ولقاءات قيل إن أحمد حسون عقدها مع ضباط وعناصر في جيش النظام السابق.

ونُسب إليه استخدام صفته الدينية لحث هؤلاء على الوقوف إلى جانب السلطة السابقة ومواجهة المعارضين. واعتبرت جهة الاتهام أن هذه المحاضرات لم تقتصر على التوجيه الديني العام أو التعبير عن موقف سياسي، وإنما تضمنت تشجيعًا معنويًا على استمرار العمليات العسكرية.

وتحتاج المسؤولية الجنائية في هذا الجانب إلى تحديد مضمون المحاضرات بصورة دقيقة. فلا يكفي إثبات أن المتهم التقى ضباطًا أو تحدث أمامهم، بل يجب بيان:

  • تاريخ كل محاضرة ومكانها.
  • الجهة التي نظمتها.
  • صفة الحاضرين ومواقعهم العسكرية.
  • الكلمات أو الرسائل التي تضمنت تحريضًا.
  • الظروف العسكرية السائدة عند إلقائها.
  • ما إذا كان المتهم يعلم بارتكاب المخاطبين انتهاكات ضد المدنيين.
  • مدى قدرة الخطاب على تعزيز قرارهم بارتكاب الجرائم أو الاستمرار فيها.

كما ينبغي التحقق مما إذا كانت المحاضرات مسجلة بالكامل، أو أن الأدلة المتوافرة تقتصر على مقاطع قصيرة أو شهادات منقولة.

سادسًا: التصريحات المتعلقة بالمناطق المعارضة

عرضت المحكمة جانبًا من التصريحات الإعلامية المنسوبة إلى حسون، ورأت جهة الاتهام أنها تضمنت تحريضًا على سكان المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام السابق، ولا سيما حلب الشرقية وإدلب.

ووفق مضمون الاتهام، لم تقتصر هذه التصريحات على تأييد العمليات العسكرية، وإنما شملت دعوات إلى التعامل بالقوة مع المناطق المعارضة وتدميرها.

يتطلب تقييم هذه التصريحات الاطلاع على التسجيلات الأصلية والكاملة، لأن اجتزاء عبارة من سياقها قد يغير دلالتها. وينبغي فحص ما إذا كان الكلام يتضمن أمرًا مباشرًا أو دعوة واضحة إلى مهاجمة المدنيين، أو أنه كان تأييدًا عامًا لعملية عسكرية، أو خطابًا دعائيًا لا يصل قانونًا إلى مستوى التحريض الجنائي.

ولا يعني ذلك التقليل من خطورة الخطاب الذي يبرر الهجمات على المدنيين، وإنما يعني أن المسؤولية الجنائية يجب أن تقوم على عناصر محددة، لا على التقييم الأخلاقي أو السياسي للكلام وحده.

سابعًا: التصريحات المتعلقة باللاجئين وأوروبا

تناولت النيابة تصريحات نُسبت إلى المتهم وُجهت إلى دول أوروبية، وتضمنت تهديدًا بأن أي اعتداء خارجي على سوريا سيؤدي إلى انتقال أشخاص من سوريا ولبنان لتنفيذ أعمال عنف في أوروبا.

وربطت النيابة هذه التصريحات بوقوع تفجيرات في بعض الدول الأوروبية بعد مدة من إطلاقها، ورأت أنها تدخل في نطاق التحريض على القتل.

غير أن هذا الربط يثير مسألة إثباتية شديدة الحساسية. فالتقارب الزمني بين تصريح ووقوع عمليات إرهابية لاحقة لا يثبت، من تلقاء نفسه، وجود علاقة سببية بينهما.

ولإثبات التحريض على جرائم قتل محددة، يلزم بيان أن منفذي الجرائم علموا بالتصريح أو تأثروا به، وأن الخطاب تضمن دعوة قابلة للفهم على أنها حث على تنفيذ تلك الأفعال، وأن المتهم قصد الوصول إلى هذه النتيجة أو قبل بها.

أما إذا لم يثبت ارتباط المنفذين بالمتهم أو بالخطاب، فقد يكون التصريح محل مساءلة وفق أوصاف أخرى، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى تحريض على كل جريمة وقعت بعده.

ثامنًا: التأييد العلني لقادة عسكريين

تضمنت لائحة الاتهام تأييد حسون لضباط وشخصيات شاركت في العمليات العسكرية، ومن بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني.

كما نُسب إليه تأييد التدخلين الروسي والإيراني والتشكيلات المسلحة المرتبطة بهما، على الرغم مما كان متاحًا من معلومات عن الانتهاكات الواقعة بحق المدنيين.

واعتبر الاتهام أن صفة حسون الدينية والرسمية منحت هذا التأييد أثرًا يتجاوز الموقف الشخصي، وأسهمت في تقديم غطاء ديني وسياسي للقوات المشاركة في النزاع.

لكن التأييد العلني لشخصية عسكرية، مهما كان مثيرًا للانتقاد، لا يكفي وحده لإثبات المساهمة الجنائية في الجرائم التي ارتكبتها تلك الشخصية أو قواتها. ويتعين إثبات أن الدعم المعنوي كان محددًا وفعالًا، وأنه عزز قدرة المرتكبين أو استعدادهم لارتكاب الجريمة، وأن المتهم كان عالمًا بالجرائم المقصودة.

تاسعًا: عرض النيابة العامة

ركز ممثل النيابة على التناقض بين طبيعة المنصب الديني الذي شغله المتهم وبين السلوك المنسوب إليه.

وبحسب طرح النيابة، كان يفترض بمن يتولى منصب الإفتاء أن يؤدي دورًا في حماية المجتمع والتهدئة ومنع سفك الدماء، في حين استخدم المتهم مكانته، وفق الاتهام، لتبرير العنف ومنح شرعية دينية للأعمال التي نفذتها السلطات العسكرية والأمنية.

كما عرضت النيابة شبكة العلاقات التي أقامها حسون منذ فترة توليه الإفتاء في حلب ثم منصب مفتي الجمهورية، ورأت أن هذه العلاقات مكنته من التأثير في المؤسسات الأمنية والعسكرية والتدخل في بعض القضايا.

ويمثل هذا العرض نظرية الادعاء، ولا يجوز التعامل معه باعتباره نتيجة قضائية قبل الانتهاء من سماع الأدلة والدفاع. وكان على المحكمة المحافظة خلال الجلسات اللاحقة على قرينة البراءة، وعدم استخدام الأوصاف السياسية أو الأخلاقية بديلًا عن الإثبات القانوني.

عاشرًا: التكييف القانوني الأولي

أشارت المحكمة إلى عدد من الأوصاف التي يمكن أن تخضع لها الوقائع، ومنها:

  • التحريض على القتل قصدًا.
  • التدخل في القتل.
  • التدخل في الاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي.
  • إثارة النعرات المذهبية والعنصرية.
  • استغلال الوظيفة أو النفوذ مقابل منفعة مادية.
  • المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي.

كما عرضت المحكمة توصيفًا دوليًا اعتبرت بموجبه أن بعض الوقائع قد تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، نظرًا لوقوعها في سياق نزاع مسلح وهجوم واسع أو منهجي على السكان المدنيين.

حادي عشر: مبدأ الشرعية وعدم الرجعية

أشارت المحكمة إلى الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025، وإلى استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم النظام السابق من مبدأ عدم رجعية القوانين.

يثير هذا الاستناد مسألة قانونية تحتاج إلى معالجة دقيقة. فمبدأ عدم رجعية النص الجزائي الأشد ضمانة أساسية لا يجوز إلغاؤها بمجرد نص دستوري لاحق بالنسبة إلى أفعال وقعت قبل صدوره.

ويمكن ملاحقة فعل سابق إذا كان مجرّمًا وقت ارتكابه بموجب القانون الوطني أو كان يشكل جريمة وفق القانون الدولي المعترف به آنذاك. لكن لا يجوز إنشاء جريمة أو تشديد عقوبة لاحقًا ثم تطبيقها على وقائع أقدم.

لذلك ينبغي التمييز بين:

  • استخدام القانون الدولي لتفسير السياق.
  • اعتبار الجرائم الدولية غير خاضعة للتقادم.
  • تأسيس الإدانة على جرائم وطنية كانت نافذة وقت الفعل.
  • تطبيق وصف أو عقوبة جديدة بأثر رجعي.

وكان على الحكم النهائي أن يحدد أيًا من هذه المسارات اعتمدته المحكمة.

ثاني عشر: علنية المحاكمة

حضر الجلسة ممثلون عن منظمات حقوقية محلية ودولية، وهو عنصر إيجابي من ناحية الرقابة العامة على القضاء.

لكن العلنية لا تقتصر على السماح لبعض المنظمات بالحضور؛ بل تشمل تمكين الجمهور ووسائل الإعلام من الوصول ضمن حدود سعة القاعة ومتطلبات النظام، ونشر معلومات كافية عن الإجراءات من دون المساس بقرينة البراءة أو بسلامة الشهود.

كما ينبغي أن تتسم الخطابات الرسمية المتعلقة بالمحاكمة بالحياد، وأن تستخدم وصف «المتهم» لا أوصافًا تفترض مسبقًا إدانته.

ثالث عشر: قرينة البراءة

كانت الاتهامات الموجهة إلى أحمد حسون خطيرة ومرتبطة بانتهاكات واسعة بحق المدنيين. ومع ذلك، ظل في هذه المرحلة متهمًا لم يصدر بحقه حكم.

تقتضي قرينة البراءة ألا تطلب المحكمة من المتهم إثبات براءته، وألا تعتبر منصبه السابق أو قربه من السلطة أو ظهوره إلى جانب شخصيات عسكرية دليلًا كافيًا على المسؤولية.

ويقع على النيابة عبء إثبات كل عنصر من عناصر الجرائم، بما يشمل الفعل والقصد والسياق والرابطة بين مساهمة المتهم والجريمة الأصلية.

رابع عشر: حق الدفاع

لم يكن هنالك معلومات كافية عن المحامي الحاضر مع المتهم، أو ما إذا كان موكلًا أو مسخرًا، أو المدة التي أتيحت له للاطلاع على الملف قبل الجلسة.

وهذه مسألة مهمة لأن القضية تضم تسجيلات إعلامية ووثائق وعلاقات ووقائع تمتد سنوات. ويحتاج الدفاع إلى وقت كافٍ لفحص المواد الأصلية، وجمع التسجيلات الكاملة، واستدعاء الشهود، والاستعانة بخبراء في الأدلة الرقمية، وإعداد رد قانوني على نظرية التحريض والمساعدة المعنوية.

خامس عشر: الملاحظات الإيجابية

يمكن تسجيل عدد من المؤشرات الإيجابية في الجلسة:

  • إجراء المحاكمة بصورة حضورية.
  • عرض الاتهامات في مواجهة المتهم.
  • انعقادها أمام هيئة قضائية جماعية.
  • حضور ممثل النيابة والدفاع.
  • السماح بحضور منظمات حقوقية وقانونية.
  • تحديد المحاور القانونية التي ستخضع للنقاش.
  • عدم إصدار حكم منذ الجلسة الأولى وإتاحة الانتقال إلى سماع الأدلة.

سادس عشر: المسائل التي تستوجب المتابعة

كان من الضروري متابعة المسائل الآتية في الجلسات اللاحقة:

  • حصول الدفاع على نسخة كاملة من لائحة الاتهام.
  • الوقت المتاح للمحامي لإعداد الدفاع.
  • مصدر التسجيلات وسلامتها الفنية.
  • سماع الشهود في مواجهة المتهم.
  • الفصل بين التعبير السياسي والتحريض الجنائي.
  • إثبات العلاقة بين الخطاب والجرائم الأصلية.
  • تحديد الدعم المادي أو المعنوي المنسوب إلى المتهم.
  • معالجة مبدأ عدم الرجعية.
  • تجنب استخدام الأوصاف الدولية من دون بيان عناصرها.
  • ضمان استقلال المحكمة عن الخطاب السياسي والإعلامي المحيط بالدعوى.

التقييم الحقوقي العام للجلسة الأولى

شكل افتتاح محاكمة أحمد حسون تطورًا مهمًا في مساءلة أصحاب المناصب الدينية والسياسية الذين لا تُنسب إليهم بالضرورة عمليات تنفيذ ميداني مباشر، وإنما أدوار تتصل بالتحريض والتشجيع وتقديم الدعم المعنوي والمادي.

غير أن هذا النوع من القضايا يحتاج إلى تسبيب أكثر دقة من القضايا التي يوجد فيها دليل مباشر على التنفيذ. فكلما ابتعد المتهم عن مسرح الجريمة، ازدادت ضرورة إثبات طبيعة مساهمته وأثرها وعلمه وقصده.

كما أن الصفة الدينية للمتهم قد تزيد التأثير الاجتماعي لخطبته، لكنها لا تعفي المحكمة من إثبات العناصر القانونية. ولا يجوز افتراض المسؤولية لأن خطابه وفر غطاءً أخلاقيًا أو سياسيًا إلا بعد تحديد الجريمة التي ساهم فيها وكيف ساهم فيها.

التوصيات المتعلقة بالجولة الأولى

ينبغي للمحكمة نشر لائحة اتهام منقحة توضح الوقائع والأوصاف القانونية من دون كشف معلومات محمية.

كما ينبغي تمكين الدفاع من التسجيلات الأصلية، لا المقاطع الإعلامية المختصرة، وإتاحة الاستعانة بخبير مستقل لفحصها.

ويجب فصل كل محور من محاور الاتهام عن الآخر، ولا سيما التصريحات الإعلامية، ودعم التشكيلات المسلحة، والابتزاز المالي، والعلاقات الرسمية، وعدم استخدامها بصورة تراكمية لإثبات نمط عام بدل إثبات كل جريمة.

كما ينبغي تجنب إسناد مسؤولية جماعية إلى المتهم عن جميع انتهاكات النظام السابق، وحصر المحاكمة في الأفعال الفردية التي يمكن إثباتها وربطها قانونًا بالنتائج الجرمية.

الخلاصة

افتتحت الجلسة الأولى المسار العلني لمحاكمة أحمد بدر الدين حسون، وعرضت فيها المحكمة اتهامات واسعة تتعلق باستغلال المنصب، والتحريض على القتل والعنف، والتدخل في إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، ودعم شخصيات وتشكيلات مسلحة، وتوفير غطاء ديني وسياسي للعمليات العسكرية.

أظهرت الجلسة منذ بدايتها أن جوهر القضية لن يكون إثبات صدور خطابات عن المتهم فقط، وإنما تحديد ما إذا كانت هذه الخطابات وأشكال الدعم قد تجاوزت حدود الموقف السياسي وأصبحت مساهمة جنائية فعلية في جرائم محددة. وتظل عدالة المحاكمة مرتبطة بتمكين الدفاع من مناقشة التسجيلات والشهود، وباحترام قرينة البراءة، وبمعالجة مبدأ الشرعية وعدم الرجعية، وببيان العلاقة القانونية بين أفعال المتهم والجرائم التي نُسبت إليه.

إعداد وتقديم الخبير القانوني المعتصم الكيلاني