تقرير مراقبة حقوقية حول الجلسة الخامسة من المحاكمة العلنية للمتهم “وسيم بديع الأسد”
المنعقدة بتاريخ 18 آب/أغسطس 2026 في قصر العدل بمدينة دمشق – محكمة الجنايات الرابعة
مؤسسة حَقّي
افتتاح الجلسة
افتتحت محكمة الجنايات الرابعة جلستها السادسة بحضور وسيم الأسد ومحاميه، وممثل النيابة العامة، ووكلاء الادعاء الشخصي، وعدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إلى جانب ممثلين عن منظمات قانونية وإنسانية.
ترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان. وبدأت المحكمة بعرض السياق العام الذي وقعت فيه الجرائم منذ اندلاع الاحتجاجات في آذار/مارس 2011، ثم انتقلت إلى موقع المتهم داخل المجموعات المسلحة الرديفة للنظام السابق، والوقائع التي اعتبرتها ثابتة، والتكييف القانوني الذي انتهت إليه، قبل تلاوة منطوق الحكم.
استخدمت المحكمة في عرضها لغة تاريخية وسياسية واسعة، تناولت قمع الاحتجاجات وتشكيل قوات رديفة وارتكاب أنماط من القتل والتعذيب والنهب والتهجير والاختفاء القسري.
وجود سياق عام في الحكم أمر ضروري عند بحث الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، لأن هذه الجرائم لا تُفهم باعتبارها حوادث منفردة. لكن كان ينبغي أن يظل السياق مرتبطًا بصورة دقيقة بمسؤولية المتهم الفردية، وألا يتحول توصيف النظام السابق أو سلوك مؤسساته إلى بديل عن إثبات مساهمة وسيم الأسد شخصيًا في كل جريمة أدين بها.
منطوق الحكم
أولًا، جرّمت المحكمة وسيم بديع الأسد بجناية القتل العمد، وبالقتل القصد الواقع على أكثر من شخص، وبالقتل المقترن بالتعذيب والشراسة. واعتبرت هذه الوقائع، ضمن سياقها، جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
كما جرّمته بالاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، وبالحرمان من الحرية والتعذيب، ووصفت جانبًا من هذه الأفعال كذلك بأنه يشكل جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
وحكمت عليه نتيجة هذه الإدانات بالإعدام.
ثانيًا، جرّمته المحكمة بجناية الإيذاء القصدي المفضي إلى عجز دائم، بموجب المادة 543 من قانون العقوبات العام، وحكمت عليه بالسجن مدة ثلاث سنوات عن هذه الجريمة.
ثالثًا، أدانته بجريمة الاحتيال بعد تعديل الوصف القانوني، استنادًا إلى المادة 641 من قانون العقوبات العام، وحكمت عليه بالحبس مدة ثلاث سنوات وبغرامة مقدارها ألف ليرة سورية.
رابعًا، قررت المحكمة دغم العقوبات المانعة للحرية استنادًا إلى المادة 204 من قانون العقوبات، وتنفيذ العقوبة الأشد، وهي الإعدام، مع جمع الغرامات وتنفيذها.
خامسًا، أعلنت براءة وسيم الأسد من جنايتي تهريب المواد المخدرة والاتجار بها، المنصوص عليهما في القانون رقم 2 لعام 1993، لعدم كفاية الأدلة. وأشارت المحكمة إلى إمكان تحريك ملاحقة جديدة من النيابة إذا ظهرت أدلة قانونية جديدة، مع مراعاة حجية الحكم ومبدأ عدم المحاكمة مرتين عن الفعل نفسه.
سادسًا، ثبتت المحكمة الحجز الاحتياطي المفروض على الأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة للمحكوم عليه، وحولته إلى حجز تنفيذي.
سابعًا، ألزمت المحكوم عليه بدفع التعويضات المدنية للمدعين الشخصيين الذين قبلت المحكمة دعاواهم، وفق جدول التعويضات الملحق بالحكم. ولم يُنشر هذا الجدول، ولذلك لا تتوافر علنًا أسماء المستفيدين أو مبالغ التعويض.
ثامنًا، احتفظت المحكمة بحقوق جميع المتضررين الذين لم يتقدموا بادعاء شخصي حتى تاريخ الحكم، وبحقوق عائلات الضحايا والمفقودين في مراجعة الجهات القضائية المختصة مستقبلًا.
تاسعًا، قررت المحكمة مصادرة أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة لصالح الخزانة العامة، على أن يتم أولًا الوفاء بالتعويضات والالتزامات المدنية المترتبة لمصلحة الضحايا والمدعين.
عاشرًا، احتفظت بحق الجهات الرسمية المختصة في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمال العام والمرافق العامة نتيجة الجرائم محل القضية.
حادي عشر، احتفظت بحق النيابة العامة في ملاحقة بقية المسؤولين والمساهمين والشركاء الذين لم تشملهم الدعوى الحالية، وفتح ملفات جزائية بحقهم عند توافر الأدلة.
ثاني عشر، قررت استمرار تدابير حماية الشهود التي كانت مطبقة أثناء المحاكمة بعد صدور الحكم.
ثالث عشر، قررت حفظ الهويات الحقيقية للشهود المشمولين بالحماية في ملف سري مغلق لدى ديوان المحكمة، وعدم السماح بالاطلاع عليه إلا بقرار قضائي معلل.
رابع عشر، حظرت نشر أو إذاعة أو تداول أية معلومات يمكن أن تكشف هوية شاهد مشمول بالحماية أو مكان إقامته، تحت طائلة المساءلة القانونية.
خامس عشر، قررت إحالة نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين، لاتخاذ الإجراءات اللازمة للبحث عن رفات الأشخاص الذين أشارت الشهادات إلى دفنهم في بساتين المليحة عام 2011.
سادس عشر، ألزمت المحكوم عليه بالرسوم والنفقات القضائية، واعتبرت القرار وجاهيًا بحق النيابة العامة والجهة المدعية والمتهم، وبمثابة الوجاهي بحق المدعين الغائبين، وأعلنت أنه قابل للطعن أمام محكمة النقض.
أسباب الحكم تفصيلاً:
تشكيل المجموعات المسلحة
خلصت المحكمة إلى أن وسيم الأسد التقى خلال عام 2011 بالعميد غياث دلا، وهو قيادي في الفرقة الرابعة، وأن الطرفين اتفقا على تشكيل مجموعتين مسلحتين من القوات الرديفة.
وبحسب الأسباب التي تلاها رئيس المحكمة، أمّن المتهم نحو ثلاثين مقاتلًا ووزعهم على مجموعتين، وأُبرمت لهم ترتيبات رسمية مع غياث دلا لقاء رواتب. كما اعتبرت المحكمة أن وسيم الأسد تولى الإشراف على عمل المجموعتين، وتأمين السلاح والذخيرة والطعام والأموال، ومتابعة عناصرهما في مواقع انتشارهم.
وحددت المحكمة النطاق الزمني لنشاط المجموعتين بين عامي 2012 و2014، واعتبرت أن نشاطهما تركز في بلدة المليحة ومحيطها في الغوطة الشرقية.
هذه النتيجة مهمة لأنها شكلت، وفق المحكمة، أساسًا للانتقال من المسؤولية عن أفعال شخصية منفردة إلى المسؤولية عن أفعال جماعة منظمة. لكن سلامة هذا الانتقال تتطلب بيان الأدلة التي تثبت سلطة المتهم الفعلية على العناصر، وقدرته على إصدار الأوامر ومنع الجرائم ومعاقبة مرتكبيها.
ولا تكفي واقعة التمويل أو التجنيد وحدها لإثبات المسؤولية عن جميع الجرائم التي ارتكبها أفراد المجموعة. كان على الحكم أن يحدد ما إذا كانت مسؤولية المتهم مبنية على إصدار الأوامر، أم الاشتراك والتحريض والمساعدة، أم مسؤولية القائد عن جرائم مرؤوسيه، أم الاشتراك في مشروع إجرامي مشترك.
العمليات في الغوطة الشرقية والمليحة
عرضت المحكمة نمطًا للعمليات العسكرية يبدأ، بحسب استنتاجها، بجمع معلومات عن مناطق مأهولة، ثم تعرضها للقصف من الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والطيران، وبعد انتهاء القصف تتقدم المجموعات الرديفة لتثبيت نقاطها ومنع السكان من العودة والاستيلاء على الممتلكات.
وربطت المحكمة هذا النمط بالمجموعتين اللتين قالت إن وسيم الأسد أنشأهما وأشرف عليهما. كما تناولت واقعة قصف وقعت عام 2013 على الطريق الواصل بين المليحة وزبدين وأدت، وفق ما عرضته المحكمة، إلى مقتل نحو 75 مدنيًا، تعذر التعرف إلى عدد منهم بسبب شدة احتراق الجثث.
اعتبرت المحكمة أن مشاركة مجموعتي المتهم في العمليات، واستمرار نشاطهما خلال مدة طويلة، يجعلان وسيم الأسد جزءًا من مشروع مشترك استهدف قمع السكان المدنيين، وأن القتل والتعذيب والاحتجاز والاختفاء كانت من الوسائل المستخدمة في هذا المشروع.
لكن إسناد مسؤولية جنائية عن ضحايا قصف جوي ومدفعي إلى شخص لم يثبت أنه أصدر أمر القصف يحتاج إلى تسبيب شديد الدقة. يجب أن يوضح الحكم ما إذا كان المتهم قدم المعلومات التي استُخدمت لاختيار الأهداف، وما إذا كان يعلم أن القصف سيستهدف مدنيين، وما إذا كان القتل نتيجة مقصودة أو متوقعة ضمن الخطة المشتركة.
كما يجب التفريق بين وجود مجموعة المتهم في المنطقة وبين ثبوت مساهمتها السببية في المجزرة. فالموقع العسكري أو التزامن الزمني لا يكفيان وحدهما للإدانة بالقتل العمد.
المشروع الإجرامي المشترك
اعتمدت المحكمة مفهوم «المشروع الإجرامي المشترك» لتفسير الصلة بين المتهم وبين نمط الجرائم المرتكبة ضمن العمليات العسكرية والأمنية. واعتبرت أن المشروع بدأ منذ آذار/مارس 2011 واستهدف إخماد الاحتجاجات باستخدام العنف الواسع والمنهجي ضد السكان المدنيين.
ورأت المحكمة أن استمرار المتهم في قيادة مجموعتيه مدة تقارب عامين، وتكرار نمط العمليات، وغياب المساءلة داخل النظام السابق، تشكل مجتمعة قرائن على علمه بالغرض الإجرامي وقبوله به.
يستخدم مفهوم المشروع الإجرامي المشترك في بعض اجتهادات القضاء الجنائي الدولي لإسناد المسؤولية إلى أشخاص ساهموا في خطة مشتركة. إلا أن تطبيقه أمام القضاء الوطني السوري يقتضي تحديد أساسه القانوني، وعناصره، وحدود الجرائم التي يمكن نسبتها إلى كل مساهم.
ولا يكفي ذكر المفهوم من دون بيان ما إذا كان مقررًا في القانون السوري وقت وقوع الأفعال، أو ما إذا كانت المحكمة تستخلصه من قواعد الاشتراك والتدخل المنصوص عليها في قانون العقوبات. وهذه المسألة أساسية لحماية مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
وقائع جرمانا والخطف والتعذيب والقتل
انتقلت المحكمة إلى مجموعة أخرى من الوقائع رأت أنها ثبتت بأدلة يقينية. وتعلقت بدورية مسلحة قالت المحكمة إنها تابعة للمتهم، هاجمت متجرًا في جرمانا خلال عام 2012، واستولت على محتوياته، ثم اختطفت مالكه بسبب موقفه السياسي أو الاشتباه بصلته بالمعارضة.
وفق عرض المحكمة، نُقل صاحب المتجر إلى مكان احتجاز غير رسمي وتعرض مع أشخاص آخرين للتعذيب. كما أقدم أفراد المجموعة على قتل ثلاثة محتجزين عزل أمامه، ثم نقلت الجثامين إلى بساتين المليحة وأُخفيت هناك.
وأشارت المحكمة كذلك إلى استخدام الانتماء الديني معيارًا في التعامل مع بعض المحتجزين، وإلى تهديد أحدهم بارتكاب عنف جنسي بحق زوجته.
استند هذا الجزء، بحسب ما ظهر خلال المحاكمة، إلى شهادة مدعٍ محمي تحدث عن احتجازه وتعذيبه ومشاهدته عمليات القتل. واعتبرت المحكمة أن المجموعة كانت تعمل تحت قيادة المتهم، وأن مسؤوليته لا تتوقف على حضوره الشخصي أثناء كل فعل.
تكمن قوة هذه الواقعة في وجود شاهد قال إنه عاين جانبًا منها مباشرة. لكن الاعتماد عليها للحكم بالإعدام يستوجب بيان الأدلة التي أثبتت تبعية الدورية لوسيم الأسد، وهوية قائدها، وكيفية صدور الأوامر، وما إذا وجدت أدلة إضافية تؤيد مواقع الدفن وعدد الضحايا وهوياتهم.
وقد قررت المحكمة إرسال نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين للبحث عن رفات الأشخاص الذين قيل إنهم دفنوا في بساتين المليحة. وهي خطوة إيجابية، لكنها تكشف أيضًا أن عنصرًا ماديًا مهمًا من الواقعة، وهو العثور على الرفات والتحقق من الهوية وسبب الوفاة، لم يكن قد استُكمل عند صدور الحكم.
المسؤولية بوصفه قائدًا
أعلنت المحكمة أنها بحثت مسؤولية وسيم الأسد بصفته رئيسًا وموجهًا للمجموعتين المسلحتين. وهذه النتيجة تعني أنها لم تقصر الإدانة على الأفعال التي نفذها بنفسه، بل نسبت إليه جرائم ارتكبها مرؤوسون أو عناصر تابعون له.
ويقتضي هذا النوع من المسؤولية إثبات وجود علاقة قيادة وسيطرة فعلية، وعلم القائد بالجرائم أو توافر معلومات واضحة عنها، وقدرته المادية على منعها أو معاقبة مرتكبيها، وإخفاقه في اتخاذ التدابير اللازمة.
لا تكفي تسمية المجموعة باسمه أو حصولها على المال والسلاح من خلاله لإثبات جميع هذه العناصر. ولذلك ينبغي أن يتضمن الحكم الخطي تحليلًا للأوامر والاتصالات والتقارير وتسلسل القيادة، وأن يحدد أي الجرائم أمر بها المتهم، وأيها ارتكبها بنفسه، وأيها نُسبت إليه بسبب سلطته على المنفذين.
الجرائم العادية المنفصلة عن الجرائم الدولية
فرقت المحكمة بين الوقائع المرتبطة بالنزاع المسلح والهجوم على السكان المدنيين، وبين جرائم أخرى رأت أنها ارتُكبت لاستغلال النفوذ الشخصي.
وأدرجت ضمن الفئة الثانية الابتزاز والتهديد والاستيلاء على الممتلكات بالقوة وإطلاق النار على أحد المدنيين. واعتبرت أن هذه الأفعال تخضع للقانون الجزائي الوطني، لكنها لا تحقق بذاتها عناصر جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.
يُعد هذا الفصل من النقاط الإيجابية في الحكم؛ لأنه يتجنب وصف كل فعل ارتكبه شخص مرتبط بالنظام السابق بأنه جريمة دولية. فالجريمة ضد الإنسانية تتطلب ارتباط الفعل بهجوم واسع أو منهجي ضد سكان مدنيين، بينما تتطلب جريمة الحرب صلة كافية بالنزاع المسلح.
الإيذاء المفضي إلى عجز دائم
أدانت المحكمة وسيم الأسد بإطلاق النار على المدعي الذي عرضت إصابته خلال المحاكمة، واعتبرت الواقعة جناية إيذاء قصدي أدى إلى عجز دائم.
استندت المحكمة إلى المادة 543 من قانون العقوبات العام، وحكمت على المتهم بالسجن ثلاث سنوات عن هذه الجريمة. ويبدو أن تقرير الطبابة الشرعية، الذي قدر العجز الوظيفي بنسبة 35%، كان دليلًا رئيسيًا في تحديد الوصف.
ومع ذلك، كان على الحكم أن يفصل بين إثبات الإصابة وبين تحديد الفاعل. كما ينبغي أن يبين لماذا اطمأن إلى شهادة المدعي، وكيف رد على إنكار المتهم وروايته البديلة التي نسب فيها الإصابة إلى سبب عرضي، وما إذا عُززت الشهادة بسجلات طبية أو شهود آخرين.
الإدانة بالاحتيال
أعادت المحكمة توصيف جانب من الوقائع المتعلقة بالحصول على الأموال والممتلكات، وانتهت إلى إدانة المتهم بجنحة الاحتيال بموجب المادة 641 من قانون العقوبات العام.
وحكمت عليه بالحبس مدة ثلاث سنوات وبغرامة مقدارها ألف ليرة سورية. ويعني تبديل الوصف الجرمي أن المحكمة لم تلتزم تمامًا بالتكييف الذي ورد في قرار الاتهام أو مطالعة النيابة.
للمحكمة سلطة إعادة التكييف القانوني للوقائع، لكن يجب ألا تفاجئ الدفاع بوصف جديد لم تتح له فرصة مناقشته. ويتعين أن تكشف النسخة الكاملة للحكم ما إذا نُبه المتهم ومحاميه إلى احتمال تعديل الوصف قبل النطق بالحكم.
البراءة من جرائم المخدرات
لم تأخذ المحكمة بأحد أبرز محاور الاتهام العام المتداول ضد وسيم الأسد، وقضت ببراءته من جنايتي تهريب المواد المخدرة والاتجار بها المنصوص عليهما في القانون رقم 2 لعام 1993، بسبب عدم كفاية الأدلة.
أوضحت المحكمة أنه لم تُضبط بحوزة المتهم مواد مخدرة، ولم يقدم تحليل مخبري، وأن ظهوره في صورة مع شخص معروف بالاتجار بالمخدرات لا يثبت مشاركته في النشاط الإجرامي.
تمثل هذه النتيجة مؤشرًا إيجابيًا على أن المحكمة لم تتبنَّ جميع الاتهامات بسبب السمعة أو العقوبات الدولية أو العلاقات الشخصية. فالإدانة الجنائية تتطلب دليلًا على الفعل الفردي، ولا تكفي صورة مشتركة أو علاقة مع شخص متهم.
لكن عبارة إبقاء الباب مفتوحًا أمام النيابة لإقامة الدعوى عند توفر أدلة جديدة ينبغي فهمها ضمن قواعد حجية الحكم والبراءة. فلا يجوز إعادة محاكمة الشخص عن الفعل نفسه بعد اكتساب البراءة الدرجة القطعية، إلا ضمن الحدود الاستثنائية التي يقررها القانون وبما لا يخالف مبدأ عدم المحاكمة مرتين عن الجريمة ذاتها.
توصيف الجرائم الدولية
وصفت المحكمة جرائم القتل والتعذيب والحرمان من الحرية بأنها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب. وقالت إنها استخدمت القانون الجنائي الدولي لتحديد السياق والجسامة وآثار التقادم والحصانة والعفو، بينما طبقت العقوبات الواردة في التشريع السوري الداخلي.
استند منطوق الحكم إلى المواد 534 و535 و298 و556 و216 من قانون العقوبات العام، وإلى الفقرتين «هـ» و«و» من المادة الثانية من القانون رقم 16 لعام 2022، وإلى المرسوم رقم 20 لعام 2013.
يثير هذا البناء مسألة قانونية دقيقة. فالقانون السوري لا يتضمن منظومة متكاملة للجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وأنماط المسؤولية الدولية. ولذلك يجب أن يبين الحكم كيف استخدم هذه الأوصاف من دون إنشاء جريمة أو عقوبة بأثر رجعي.
كما أن الاستناد إلى تشريعات صدرت عامي 2013 و2022 بشأن وقائع بدأ بعضها منذ 2011 يقتضي توضيحًا صريحًا لمبدأ عدم رجعية النص الجزائي الأشد. فإذا كان دور هذه التشريعات مجرد التفسير أو الحماية الإجرائية، ينبغي بيان ذلك. أما إذا استُخدمت لتأسيس المسؤولية أو تشديد العقوبة عن أفعال سابقة لنفاذها، فقد تثار إشكالية جدية بموجب مبدأ الشرعية والمادة 15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
منطوق العقوبة
انتهت المحكمة بالإجماع إلى إدانة وسيم الأسد بالقتل العمد، والقتل القصد لأكثر من شخص، والقتل المترافق مع التعذيب والشراسة، والاعتداء الهادف إلى إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، والحرمان من الحرية والتعذيب.
وقررت عدم منحه أسبابًا مخففة تقديرية، بالنظر إلى جسامة الجرائم وعدد الضحايا، ثم حكمت عليه بالإعدام.
كما حكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات عن الإيذاء المفضي إلى عجز دائم، وبالحبس ثلاث سنوات والغرامة عن الاحتيال. وبعد ذلك قررت دغم العقوبات المانعة للحرية وتنفيذ العقوبة الأشد، وهي الإعدام، مع تنفيذ الغرامات.
الأموال والتعويضات
ثبتت المحكمة الحجز الاحتياطي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمحكوم عليه وحولته إلى حجز تنفيذي.
كما ألزمته بتعويض المدعين الشخصيين الذين قبلت المحكمة دعاواهم، وفق جدول تعويضات مرفق بالحكم. واحتفظت بحقوق الضحايا والمتضررين الذين لم يتقدموا بادعاء شخصي، بما يسمح لهم بمراجعة القضاء لاحقًا.
وبعد الوفاء بالالتزامات المدنية، قررت المحكمة مصادرة بقية الأموال لصالح الخزانة العامة. واحتفظت كذلك بحق الجهات الرسمية في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بالمال العام والمرافق العامة.
إن تقديم التعويضات المدنية على المصادرة العامة يعكس أولوية حقوق الضحايا، لكنه يحتاج إلى آلية تنفيذ شفافة. كما ينبغي التحقق من أن الأموال المصادرة مملوكة للمحكوم عليه فعلًا، وحماية حقوق الزوجة والأطفال والشركاء والدائنين حسنِي النية.
المفقودون وملاحقة بقية المسؤولين
احتفظ الحكم بحق النيابة في ملاحقة باقي المسؤولين والمساهمين والشركاء الذين لم تشملهم الدعوى الحالية، كلما توافرت الأدلة اللازمة.
كما أرسلت المحكمة نسخة من الحكم إلى الهيئة الوطنية للمفقودين للبحث عن رفات أشخاص قيل إنهم دُفنوا في بساتين المليحة.
تمثل هذه الإحالة جانبًا مهمًا يتجاوز العقوبة، لأنها تربط المحاكمة بحق العائلات في معرفة مصير ذويها واستعادة الرفات ودفنها بكرامة. وينبغي أن تتبعها عمليات بحث جنائي وحماية لمواقع الدفن، واستخدام الخبرة في الأنثروبولوجيا والطب الشرعي وتحليل الحمض النووي.
استمرار حماية الشهود
قررت المحكمة استمرار تدابير حماية الشهود بعد صدور الحكم، وإيداع هويات المشمولين بالحماية في ملف سري لا يُفتح إلا بقرار قضائي معلل، ومنع نشر معلومات يمكن أن تكشف هوياتهم أو أماكن وجودهم.
هذا التدبير إيجابي من حيث حماية الضحايا والشهود من الانتقام. إلا أن السرية يجب ألا تمنع محكمة النقض أو الدفاع من مراجعة الأساس الذي بُنيت عليه الإدانة. ويمكن تحقيق التوازن عبر ترتيبات تضمن وصول الجهات القضائية والدفاع إلى المعلومات الضرورية ضمن شروط تمنع نشرها أو إساءة استخدامها.
قابلية الحكم للطعن
صدر القرار وجاهيًا بحق النيابة والادعاء والمتهم، وبمثابة الوجاهي بحق المدعين الغائبين، وأعلنت المحكمة أنه قابل للطعن بالنقض.
وهذا يعني أن حكم الإعدام ليس نهائيًا. ويحق للدفاع الطعن في تطبيق القانون، وتسبيب الحكم، وصحة الإجراءات، وقبول الأدلة، وتكييف الوقائع، واختصاص المحكمة، ومدى احترام حق الدفاع.
وتكتسب مراجعة النقض أهمية مضاعفة لأن القضية انتهت إلى الإعدام. وينبغي أن تكون المراجعة موضوعية وفعالة، لا شكلية، وأن تتناول جميع الدفوع القادرة على التأثير في الإدانة أو العقوبة.
التقييم الحقوقي
يحمل الحكم دلالة مهمة لضحايا النظام السابق، لأنه يثبت عمليًا إمكان مساءلة شخص كان يستمد نفوذه من صلته بالعائلة الحاكمة. كما أنه تضمن عناصر تتجاوز العقاب، مثل تعويض المدعين، وحماية الشهود، وحفظ حقوق المتضررين، والبحث عن المفقودين، وملاحقة بقية المسؤولين.
وتظهر البراءة من اتهامات المخدرات أن المحكمة لم تعتبر السمعة أو العلاقات الشخصية دليلًا كافيًا. وهذا جانب يعزز صورة القضاء عندما يميز بين ما يمكن إثباته وما يبقى في نطاق الاشتباه.
في المقابل، يثير الحكم أسئلة جوهرية عن أساس استخدام مفهومي المشروع الإجرامي المشترك ومسؤولية القائد، وعن تطبيق التشريعات اللاحقة على وقائع أقدم، وعن الربط بين نصوص القانون الداخلي وأوصاف الجرائم الدولية.
كما أن الحكم بالإعدام يضع سلامة الإجراءات كلها تحت معيار أشد صرامة. فقد أكدت لجنة حقوق الإنسان أن فرض هذه العقوبة بعد محاكمة لا تستوفي المادة 14 من العهد الدولي يجعل الحرمان من الحياة تعسفيًا ومخالفًا للمادة السادسة.
التوصيات
ينبغي نشر النسخة الخطية الكاملة والمعللة من الحكم، بعد تنقيح أسماء الشهود المحميين، بما يسمح بفهم الأدلة والدفوع والأساس القانوني لكل إدانة.
كما يجب منح الدفاع نسخة كاملة من الحكم ووقتًا كافيًا لإعداد الطعن، وضمان مراجعة فعالة أمام محكمة النقض تشمل الوقائع القانونية المؤثرة، لا مجرد التدقيق الشكلي.
وينبغي لمحكمة النقض أن تبحث خصوصًا في الأساس القانوني للمشروع الإجرامي المشترك ومسؤولية القائد، وفي مدى ثبوت السيطرة الفعلية على المجموعتين، والرابطة السببية بين المتهم وجرائم القصف والقتل.
كما يجب مراجعة الاستناد إلى القانون رقم 16 لعام 2022 والمرسوم رقم 20 لعام 2013 بالنسبة إلى الوقائع السابقة على صدورهما، والتأكد من عدم تطبيق نص جزائي أشد بأثر رجعي.
ويتعين وقف أي إجراءات لتنفيذ عقوبة الإعدام طوال مدة الطعن والمراجعة، وعدم الانتقال إلى التنفيذ قبل اكتساب الحكم الدرجة القطعية واستكمال جميع الضمانات القانونية وطرق التماس العفو أو استبدال العقوبة.
وينبغي إنشاء آلية شفافة لتنفيذ التعويضات، وحصر الأموال المملوكة للمحكوم عليه، وحماية حقوق الغير حسن النية، وتقديم حقوق الضحايا على المصادرة لصالح الخزانة العامة.
كما يجب البدء سريعًا بحماية مواقع الدفن المحتملة في بساتين المليحة، وجمع الرفات وفق بروتوكولات الطب الشرعي، وربط النتائج بقاعدة بيانات المفقودين وعائلاتهم.
الخلاصة
اختتمت جلسة 18 آب/أغسطس 2026 المرحلة الابتدائية من محاكمة وسيم الأسد بحكم حضوري بالإعدام، بعد إدانته بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وجرائم مرتبطة بالاقتتال الطائفي، ووصف جانب منها بأنه جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
كما أدانته المحكمة بالإيذاء المفضي إلى عجز دائم والاحتيال، وبرأته في المقابل من تهريب المخدرات والاتجار بها لعدم كفاية الأدلة. وأمرت بتعويض المدعين، والحجز على أمواله ومصادرتها بعد الوفاء بالحقوق المدنية، ومواصلة حماية الشهود، وإحالة معلومات الدفن إلى الهيئة الوطنية للمفقودين.
لكن الحكم لا يزال قابلًا للطعن، ولم يصبح نهائيًا أو قابلًا للتنفيذ الفوري. وستتحدد القيمة الحقوقية الحقيقية للمحاكمة بمدى جودة الحكم الخطي، وفعالية مراجعة النقض، ودقة معالجة مبدأ الشرعية والمسؤولية الفردية، وتنفيذ حقوق الضحايا، لا بشدة العقوبة وحدها.